كتابات نوبة الحراسة: رسائل عبد الحكيم قاسم
الكتابة بلا مكياج
محمد شعير
هذه مجموعة من رسائل واحد من أبرز كتاب جيل الستينيات فى مصر: الروائى الراحل عبد الحكيم قاسم، تبادلها مع مجموعة من أبرز أدباء جيله والأجيال التالية له. وثمة عده طرق لقراءة هذه الرسائل: الأولى باعتبارها واحده من رواياته ! ولكنها رواية الغربة والحنين والأسئلة! أسئلة لاكتشاف الوطن والذات والآخر… وهى الأسئلة التى انشغل بها فى مشروعه الروائى! إذ لم تكن حياة عبد الحكيم قاسم فى بيت جده فى ميت غمر سعيدة، فكتب وهو فى سن العاشرة خطابا لأبيه يشكو له من بؤس الحياة التى يحياها، ولكن خاله ضبط الخطاب وصادره… وكانت هذه هى البداية التى تعرف فيها على إمكانيات الكتابة لديه! كما يمكن اعتبار الرسائل (سيرة) ليست فقط لصاحبها، ولكن أيضا سيرة لجيل الأحلام المسروقة. فقد كتب قاسم رسائله ـ معظمها ـ وهو فى غربته فى برلين الغربية التى هاجر إليها فى السبعينيات تحديدا عام 1974 وظل بها حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضى. وتعكس الرسائل الجو الأدبى الذى نشأ وتكون فيه جيل الستينيات، واللحظات الرهيبة التى عاشها الجيل تحت وطأه حكم عبد الناصر، ثم السادات وخاصة بعد كامب ديفيد، مرورا بغزو بيروت، وحرب الخليج الأولى، بل أن قاسم كان قد احتفظ فى أرشيفه الخاص بقصاصات بعض الجرائد التى تناولت غزو العراق للكويت باعتبارها من اللحظات الخاصة فى تاريخ اللحظات العربية التى أنهت كثيرا من أحلام الجيل، ولكن لم يتح لقاسم أن يتناولها فى كتاباته أو حتى فى رسائله، فقد كان قد عاد إلى القاهرة، وكان الموت أسبق منه كذلك… كل هذا يجعل من هذه الرسائل توثيقا سياسيا واجتماعيا لجيل كامل، ليس فقط لشخص عبد الحكيم قاسم! كما يمكن قراءة الرسائل باعتبارها سيرة ذاتية لواحد من كتاب الجيل وصاحب (أيام الإنسان السبعة)، و(محاولة للخروج) وغيرها من الروايات الهامة، ويمكن قراءتها باعتبارها روايته الأكثر صدقا وحميمة!! أمر ثان يضيف أهمية لهذه الرسائل هو كونها جنسا أدبيا وفنيا لم يول بعد العناية الكافية فى الثقافة العربية. رغم انتشار هذه الجنس الأدبى في الثقافة الغربية، في حين أن ما يتركه الأدباء العرب من أوراق لا يتم الالتفات إليها بعد رحيلهم، رغم أهمية هذه الأوراق في إلقاء الضوء على الكثير من الجوانب المختفية تحت أقنعة الكاتب، كما يمكن أن تقدم لنا أسرار العملية الإبداعية.
ولعل من أشهر كتب الرسائل فى الثقافة الغربية ما تركه دوستويفسكى من رسائل وصفها أندريه جيد الأديب الفرنسى الشهير بأنه كان يتوقع العثور على (إله) فى رسائل دوستويفسكى، ولكنه اكتشف أنه أمام إنسان بائس، متعب، مريض، محروم من هذه الصفة التى يعيبها هو نفسه على الفرنسيين وهى البلاغة!! أما (كافكا) فقد بدا فى رسائله العاطفية إلى ميلينا: "إنسانا عذبا، يتبدى عاشقا قد استرخى، فى غير انتباه، إلى حين، لآلهات النقمة اللائى يطاردنه"، كما يقول أحد نقاده تشارلز أوسبورن. وكانت رسالته إلى الوالد بمثابة محاكمة رهيبة لوالده يستحضر فيها جميع عذابات الطفولة التى لم يكن بالإمكان تخطيها. وكذلك الأمر بالنسبة لرسائل رامبو كانت ـ كما يقول مترجمها شربل داغر ـ محاولة للبحث عن الجذور بعيدا عن إلزامية الوطن، وعن الحياة بعيدا عن طمأنينة الإقامة فيها، أى البحث عن أجوبة جديدة لأسئلة قديمة، أى العيش خارج الأجوبة المطمئنة والمنغلقة … أما رسائل ريلكه فقد كانت أشبه بوصيته غير الرسمية!!
هكذا عرفت الثقافة الغربية فن الرسائل، فن البوح، أما الثقافة العربية فقد همشته، ربما لأسباب خاصة بوجود عوامل تعوق بوح الأدباء بأسرارهم الشخصية وتقيده؛ وحتى لا يتم خدش الصورة المستقرة فى ذهن القراء، ربما لهذا السبب غابت أجناس أدبية كثيرة عن ثقافتنا الحديثة: السيرة الذاتية التى لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة فى الثقافة العربية … و(الرسائل) إلا باستثناءات قليلة، فالمناخ الثقافى لا يسمح دائما أن يقول الإنسان ما يريد. ويضطر أن يفصح عن رأيه فى (حديث مجالس) يختلف كثيرا عما يكتبه، يصبح باختصار للمثقف العربى كلامان ـ كما يقول أحد المثقفين العرب ـ كلام للورق وكلام عليه، وتتسع الهوة بين "المسكوت عنه" و"المعلن"!!! كما يمكن تفسير غياب فن الرسائل إلى (الفروق الحضارية) بين المجتمعات العربية والغربية.
الثقافة الغربية تهتم بكل ما يكتبه مبدعوها، تحولهم أحيانا إلى (سلع) ثقافية، تهتم بكل ما تركوها من أوراق، ومخطوطات ورسائل و….وغيرها.
عبد الحكيم قاسم احتفظ بكثير مما أرسله من خطابات، كتبها على أوراق شفافة، كان يبدو أن الكثير منها ليست أصولا وإنما صورا كربونية (لم تكن آلات التصوير قد انتشرت فى ذلك الوقت ـ أوائل السبعينيات) بهدف ربما أن تنشر ذات يوم…
القاهرة 26 /2/1973
عزيزى الدكتور/ ناجــى نجيـــب
تحية واحتراما،
منذ مدة طويلة وأنا أعلم باهتمامك بكتاباتى، وهذا يسعدني إلى أقصى حد، وحينما سلمنى الأستاذ/ يوسف الشارونى نسخة من مقالك عن روايتى الأولى (أيام الإنسان السبعة) وقرأت المقال أدركت إلى أى مدى كان إخلاصك في قراءة عملي هذا، ومدى نفاذك إلى أدق جزيئاته، وقد أعجلت لك، كلمات قليلة فى رقعة من الورق أسلمتها إلى الأستاذ يوسف الشارونى ليرسلها لك، وقد كنت أتمنى أن تكون كلماتى لك بداية لمراسلة بيننا، وانتظرت طويلا أن تكتب لي على العنوان الذي أثبته في هذه الورقة، وطال انتظارى دون جدوى. ثم قابلنى الأخ جميل عطية وطلب إلى أن أوافيك بمعلومات عن شخصى، وفي الحقيقة لم أعرف على وجه الدقة أى نوع من المعلومات وأى قدر منها ولماذا، واتصلت بشقيقكم الأستاذ/ سامح نجيب وقرأ على الكلمات التى وردت في خطابكم بهذا الصدد، ولم تكن هذه الكلمات شافية في وضوحها.
وطلبت أنا من الأخ جميل عطية أن يرسل لك عنوانى لتكتب لى شخصيا بما تريده عنى، أليس غريبا أن نظل إلى الآن وليست بيننا علاقة مباشرة.
إننى سأكتب لك الآن عن نفسى ما أتصوره وأرجو أن تكتب لى فورا بما قد تريده من تفصيلات أو من إجابات لأسئلة تكون ما تزال قائمة في ذهنك دون إجابة وسوف أبادر بالرد عليك فور تسلم خطابك.
ولدت في قرية صغيرة اسمها (البندرة) تبعد حوالى عشرين كيلومترا عن مدينة طنطا عاصمة محافظة الغربية في اليوم الأول من عام 1935. وكنت طفلا عليلا تنفينى علتى عن صحبة أقرانى من العيال، وتلزمني كُن أبي ومجالس أصحابه في الأصائل الرقيقة والأماسى الندية في ردهة دوارنا. ولقد كان أبى محدثا رائعا، قادرا على السيطرة التامة على مستمعيه، وكانت تجربته الحياتية هائلة، فهو رجل كثير الأسفار في البلاد، كثير الأصحاب مشغول بالأولياء والمزارات والموالد والأسواق.
لكنه قبل كل شىء وبعد كل شىء مفتون بالكلمة يجيد قولها ويجيد الانصات إليها. يدرك سرها ويطوعها لحكايته، ويصنع منها عالما مغايرا للواقع اليومي المترب المنضوح للشمس. لقد فتح أبى هذا العالم لي لأهرب إليه، أنا الطفل العليل غير القادر على ممارسة الحياة العادية لأقرانى من العيال، هربت إلى عالم أبى هذا وأحببته ولزمته. وفي عام 1943 رحلت إلى بيت جدى لأمى في مدينة (ميت غمر) لألحق بالمدرسة الابتدائية وفي هذه المدينة ازدادت غربتى عما حولى عمقا، أنا الطفل النحيل الشاحب الريفى اللسان، ولم يكن ثمة حضن أبى لألبد فيه، في بيت جدى عرفت الكتاب، وقمت برحلتى في عالم الكتب وحدى، وربما بقيت سنين طويلة أعرف أشكال بعض الكلمات ومعانيها دون أن أعرف كيف تنطق نطقا سليما. وكم كنت أحلم أن أكون أحد هؤلاء الصغار الريفيين الآتين إلى ميت غمر مثلى من القرى القريبة لكنهم يعيشون بأنفهسم دون رقيب في غرفة مأجورة، يحيون فيها حياة فقيرة، لكنها بسيطة وطليقة، وقد حولت حلمى هذا إلى صفحات كثيرة تحكى عن شاب يعيش وحده في غرفة على السطوح، ويقع في حب جارته، كان حلما رائعا، وكأننى لم أصدقه فأنهيته نهاية فاجعة، انتحرت الفتاة وجن الفتى. وبعد ذلك ضاعت صفحات القصة وأنا نسيتها، ولكن شيئا هاما جدا بقى لي، أن القراءة والكتابة هما عالمى، هما مهربى من عالم لا أستطيع التواؤم معه.
وفي عام 1948 انتقلت إلى المدرسة الثانوية في مدينة طنطا، أقيم فيها أحيانا في غرفة مأجورة في حى فقير أو أسافر إليها يوميا في قطار الصباح الباكر وأعود في المساء إلى قريتى. في هذه المرحلة أستفحل إحساسي بالغربة، لكنه اتخذ معنى جديد، لم يعد سببه كامنا في ذاتي بل في كونى أنتمى إلى عالم الفقراء، ذلك العالم المنفى، المعزوب على مستوى الواقع والقيم، ولم يكن بوسعي أن أكسر غربتى بتغير انتمائى، وإنما بأن أعمق هذا الانتماء، ومن هنا أصبح مدار حياتى هو إعادة اكتشاف قريتى، وبدأ حب قريتى يشرق في نفسى، وأصبح هذا الحب التزاما يكبل روحى بالقهر والكآبة. وفي المرحلة الثانوية كنت مستغرقا تماما في محبة صوفية للتجربة الإنسانية العظيمة التي خاضتها ثورة النبي محمد وأصحابه الفقراء العظام، وكانت سيرة النبى وأصحابه ونضالهم المجيد وفقه القرآن والسنة هما معظم قراءتى في المرحلة.
وفي عام 1955 التحقت بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، وقد كنا جماعات من أبناء الريف في غرف مأجورة ونعيش حياة مغلقة بعيدة عن حياة المجتمع السكندرى ندير غربتنا بيننا، غربتنا في الإسكندرية، غربتنا في مصر كلها. كنا نناقش كل شيء العلم والفن والفلسفة والسياسة والتاريخ، نناقش بانفعال وحنين وسخط، إن كل مسلماتنا وثقافتنا مأزومة إزاء فداحة مشاكلنا، كان علينا أن نكسر شرفة فكرنا المثالى وننطلق إلى رحابة الفهم العلمي للعالم والفهم الجدلى للفلسفة لصراع الطبقات عبر التاريخ، ولم يكن ذلك أمرا سهلا كان غرما فادحا أديناه ببسالة الشباب وجسارته. وربما كانت هذه المناقشات دائرة في أماكن كثيرة أخرى بين شباب جيلنا كله، ذلك الجيل الذى أعطى مصر جيلنا من الكتاب الشبان. ونحن متفقون مع الأجيال التي سبقتنا من الكتاب المصريين الحقيقيين في أننا ننتمي إلى شعب متخلف يحيا ظروفا غير إنسانية فرضتها عليه سنون طويلة من الاستعمار والاستغلال الأسود أفقرته صحيا وفكريا. وألغت دوره تقريبا من الحياة السياسية والفكرية والحضارية للعالم. ولكننا نختلف عنهم في أننا متخلصون تماما من أسلوب حياتنا وتفكيرنا وكتابتنا والتزامنا السياسي من أي انتماء برجوازى، ومن أى تصورات مثالية للفلسفة أو التاريخ أو حركة المجتمع، ونحن منعزلون تماما حياتيا وفكريا عن القيم السائدة في الحياة والثقافة والفن، ولذلك فإن حركتنا تأخذ طابعا معارضا وتحاط بالريبة والحذر، ومن هنا فإن إنتاجنا يتسم أحيانا بالإغراب والألغاز والإغراق في الرمزية، ويكبله من أعماقه إحساس لا علاج له بالخوف أو الحصار.
هذا وأنا في انتظار ردك على العنوان التالي:
منزل رقم 6 شارع رقم 8 خلف نادى الترسانة الرياضى بريد امبابه، القاهرة.
وتقبل شكرى واحترامى،
المخلص
عبد الحكيـــم قاســـم
ال
برلين صباح السبت 20 /8/76
أخي حســــنى أذكر شعرا لشوقى خميس يبدؤه بدعاء
يا ربات الشعر المجد لكن
يا من صغن العالم لحن
وأذكر أن دعاءا شبيها يكون في مفتتح القصائد الطوال، ربما يكون الشاعر فريسة الخوف من ألا تحيط قدرته على القول بما في صدره من شوق ورغبة في الإفاضة، وإننى لفى مفتتح الكتابة لك الآن فى قبضة خوف شبيهه، حصر الوقت وحصر العجز وامتلاء القلب، أهدى إليك هذه (العينة) التي تعيننا على القدرة فى هذه اللحظة، وأتعزى بما كان بيننا دائما من استشفاف يجعل للكلمات آفاقا، شواسع تتردد فيهن الأصداء. لا يعدل حنقى عليك إلا اتساع قلبى للغفران لك، فآخر ما وصلنى منك قبل الذى فى يدى وصف مروع للمرض الذى نزل عليك ورددت فورا، وما كنت بصدد حديث رخى البال، بل بصدد ترتيب سفرك لى، وانتظرت أن تبرق بوصولك، فلما لم يصل منك شىء كان التفسير الوحيد أن المرض زاد عليك وأنك سافرت لمصر وربما أنك مت، لقد كان وقتا قاسيا، فإننى رجل صلب عزيز الدموع، ولكنى أقول لك أننى لا أحتمل أبدا أن يموت لي صديق أو أن يعجزه المرض، لقد عشت وأعيش فى برلين تجربة أليمة (مثمرة) ولكن أشد مافيها وطئا هو أننى أُقصيت عن دائرة الأصدقاء، هذا التجاوب الفكرى والوجدانى العميق غاب عن حياتى فأصبحت قاحلة كصحراء، ربما أدركت زينب هذا بغريزة المرأة، أو بغريزة (الوليف) ففرحت لخبر قدومك وهى التى لا ترحب كثيرا بالضيوف.
وإذا كنت قلت فى خطاب لى إننى أنسى ما أقول فليس للكلمة دلالة أخرى أبعد من دلالتها اللغوية، نحن نكتب، نبادل أصدقاءنا الرأى والشعور، نلقى عن أكتافنا ثقل اللحظة ثم ننسى (في غالب الأمر) ما قلناه، ليس هذا سوى أحد عيوبنا القديمة، وربما هو لون عن عدم الثقة بالنفس، ما نراه، ما نحسه يكاد يكون كالعيب، كالعورة (فى الدين) لا نكشفه إلا أمام الأقرباء الحميمين (المحارم)، ولقد دهشت د. سلوى نور جدا وأنا أحدثها عن رسالتى وما أنوى أن أقول فيها، قالت إننى كلمتها مرتين مختلفتين بطريقتين مختلفين وفى كل مرة عدد من الأفكار الجيده أطلقها هكذا، والصحيح أن أتبعها وأرصدها وأضعها فى سياقها من عمل علمى، قلت لها لقد رحلت إلى هنا وتحملت ما تعلمينه من المشاق لأتعلم هذا، سيدتى وما يزال فى العمر بقية.
وإذا كنت قد جعلتك غريبا عن عالمى الجديد فما عمدت إلى هذا أبدا، وما أريده، بل إننى محتاج لقرابتك إلى عالمي هذا وأظن أنك محتاج لهذا أيضا، وبوسعى أن أكرس للمراسلة وقتا وجهدا لن يضيعا هباءا، أوفى سبيل متعة قليلة بل في سبيل مواصلة جهدنا الشاق معا لنعرف أكثر ولنرى أبعد ولنكون أفضل، هكذا وليس فقط من أجل أن تجمع لي الكتب (وهذا فى ذاته أمر شديد الأهمية بالنسبة لي يكاد يكون فى أهمية أن أنجز رسالتي أو لا أنجزها)، إن عملي هنا هو مرحلة جديدة فى رحلة طويلة التقينا أنا وأنت على دربها فى الإسكندرية، ثم لم نتخل عنها حتى الآن لحظة واحدة (معا دائما). وسوف لا نتخلى عنها أبدا (معا دائما)، وإنه ليفجؤني الآن أن جزءا من هذه الرحلة خاف عنك، لا لأن ذلك غريب، بل لأنني أفترض دائما (افتراضا ميتافيزيقيا) أنك معي وأنك تعرف كل شيء عني. الآن فى هذه اللحظة أحاول أبدأ (توصيفا) لهذه الحقبة من حياتي (بتعبير المهندسين) بهدفين الأول أن الكتابة محاولة للسيطرة العقلية على هذا الواقع، أحاول أن استخرجه من دائرة سحب الهم التي تملأ آفاق وجداني، أحوله إلى كلمات منطوقة مكتوبة، شيئا أمسكه وأتحسسه وأقول فيه رأيا. فقد كنت أكتب يومياتي حتى حضرت زينب وبمصادفة قرأتها جميعا وكانت زوبعة كادت تعصف بحياتنا معا، ولم يعدها شيئا منذ أكثر من سنه، إن حضور زينب الشامل فى سكن مؤلف من غرفة واحدة كبيرة وغرفة صغيرة وغرفة بعيدة كما هذا الحضور الشامل المتوجس المستريب المفتش المدقق يحرمني من الانفراد بنفسي نهائيا، يصادر تماما أى قدرة على العزلة والتأمل، الآن أكتب بأمل اصطياد الطيور التي تفزعها النواطير المخيفة.
الهدف الثاني أن أقتسم معك عالمي هذا، اقتسمنا الأشياء دائما وكانت القسمة مخصبة للفكر دافعة للعمل، لى فيك أمل لم يخب أبدا، لقد سافرت ورأيت، وإذا فردت أمامك منديلي وفرشت عليه أشيائي فإنك مقلب فيها تقليب الحريص، وذلك لي شيء نافع. أنت أيها الصديق الكريم فيك تنزه غريب عن أشياء فى طرز الناس التي أعرفها هنا تجعل علاقتي بهم عقيمة تماما حينما خرجت عن دائرة الأصدقاء إلى هذه الغربة فى برلين تعلمت كيف أن هؤلاء الأصدقاء يكادون أن يكونوا بشرا آخرين. الآن أنظر خلفي فأجد اثنين وثلاثين شهرا، تألمت فيها كثيرا، وشقيت وتعست، لكنني لو عدت للوراء مائة ألف مرة لأخترت أن أرحل وأن أعيش ما عشت، وحينما أنظر خلفي أبعد وأبعد أجد أن الرحلة إلى أوروبا تنسجم مع منطق الحياة كلها، طفل فى البندرة، تلميذ فى ميت غمر، الثانوي فى طنطا، طالب فى الإسكندرية، كاتب فى القاهرة، ثم أكاديمي فى برلين (منطق؟) ثم أن يكون لأوروبا كل هذا الفعل فى حياتنا يكاد يصل إلى صياغة أقدارنا، ثم لا نرى هذه الأوروبا ولا نتحسسها ونشمها..؟ أشواق لها صنعت فى عربات المترو فى اسكندرية والبنات الجميلات والرجال النظاف الأقوياء يتكلمون اللغة الأجنبية ونحن لا نكاد نفهم كلمة، ثم ذلك الشوق (للترحال) كمعنى مجرد، وأن تثبت أنك قادر على أن تخرج وترى وتعرف هذه الطلاسم التي يتفوهون بها ويسكننوننا بها هؤلاء المتعالمون ويمارسون علينا لونا من القهر كريه.
هكذا تنتسب هذه الرحلة إلى الأشياء القديمة أو تخرج منها خروجا طبيعيا، إنما ينبغي هنا أن أسأل سؤال طرح على كثيرا بمودة وخوف حقيقي علىّ، وطرح مرات بخبث ودهاء وحقد، وأنا فرضته ع
المزيد