قبل الانغماس في الملذات الثقافية سريعة الزوال، على الأقل كما يجدها الإنسان في الشرق الأوسط، سوف أركز على شيء مختلف تماماً وهو الرواية العربية الرفيعة المستوى.
إنني أقدّر أن النقاد ينظرون إلى الثقافة الشعبية على أنها سريعة الزوال. لكن، ثمة ما يدعونا للاعتقاد بأنه لا شيء أسرع زوالاً من روايتك رفيعة المستوى التي تتناول القضايا الاعتيادية. ينطبق هذا على معظم الروايات الأوروبية والأمريكية، ولكنه أكثر انطباقاً على الشرق الأوسط إذا أخذنا بعين الاعتبار بأن سوق الرواية محدودة نسبياً في معظم العالم العربي.
أعتقد أن كاتب النثر التجريبي سيكون في غاية السعادة إذا حَظِيَ عمله باهتمام نقدي يستمر قدر استمرار عرض مقطوعة غنائية عربية على شاشات الفضائيات الموسيقية المختلفة، وإذا كان له من التأثير على حياة قرائه قدر جزءٍ من تأثير هذه المقطوعة.
ومع ذلك، فإن الطبقة المثقفة تعتبر الفعاليات الأدبية مسألة جديرة بالاهتمام على العكس من التسجيلات المرئية الموسيقية أو المسلسلات الدرامية أو ما شابه ذلك. ولهذا دعونا نتكلم لغة الأدب ونجعل من حديثنا هذا المساء حديثاً رفيع المستوى، ونجعل من موضوعنا موضوعاً ذا فحوى.
منذ بضع سنوات اكتشفت عالمة في الجامعة الأمريكية في القاهرة تدعى سامية محرز شيئاً مثيراً للاهتمام بشأن اتجاه الرواية العربية.
لقد أدركت البروفسورة محرز من خلال قراءاتها لأهم أعمال الروائيين المصريين الشباب في حقبة التسعينات من القرن الماضي (مازالت القاهرة تُعتبر مركز الثقافة في العالم العربي) أن العائلة العربية لم تعد كما كانت سابقاً، من الناحية الأدبية على الأقل. لقد لعبت في هذه الأعمال دوراً أقل أهميةًَ مما كانت تلعبه في أعمال عربية سابقة. وقد ذكرت في مقالة لها في مجلة "دراسات عربية" أن العائلة تنسحب من المخيلة العربية.
ليست هذه بالمسألة الهيِّنَة. فالحكايات العربية التي تتناول العالم المعاصر تدور حول العائلة. حيث انصبّ اهتمام القصاصين على تأثير الأحداث على العائلة، لا فرق في ذلك عن أي قصة كان يدور الحديث أو أية شخصيات كانت تُعرض، ولا فرق في ذلك أيضاً إذا كان القراء من أفراد الطبقة عالية الثقافة ـ كما هو الحال عند حامل جائزة نوبل الكاتب نجيب محفوظ ـ أو إذا كانوا من القراء الشعبيين.
تتمحور كثير من القصص منذ البداية حول العائلة. ولكن حتى القصص ذات المضمون المختلف مثل قصص الجريمة أو القصص البوليسية أو العاطفية كانت تميل لأن تتحول إلى قصص عائلية. منذ أيام قليلة شاهدت فيلم رعب عربياً نادراً وحتى هذا الفيلم تحول في نهايته إلى قصة عائلية. كل هذا يُعتبر طبيعياً.
كان المجتمع العربي متماسكاً إلى درجة كبيرة على الدوام، و تلعب الأسرة الدور الرئيس فيه. إن كون القصص التي تهم الجمهور العربي قصصاً تركز على العائلة أمر لا يثير الاستغراب. ينطبق هذا على القصص في كثير من وسائل الإعلام الشائعة وخاصة على الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي يستمر عرضها أشهراً. ولكن هذا الأمر، فيما يبدو، قد بدأ بالانحسار في بداية تسعينات القرن الماضي فيما يتعلق بالرواية. فماذا كانت مواضيع الروايات إذاً إن هي لم تكن مواضيع عائلية؟
حسناً، لقد كانت تتمحور حول شخصيات عُرِضَت على أنها مفصولة عن الوسط الذي تنتمي إليه. وحسب تعبير سامية محرز: حُرّرت من الثوابت التقليدية للعائلة والأمة. وباختصار تركزت المواضيع حول أفراد. علاوةً على ذلك كانت في حالات عديدة حول نضال هذه الشخصيات ليصبحوا أفراداً مستقلين. لقد نظر هؤلاء الكتاب العرب الجدد لسوء الحظ نظرة قاتمة إلى مثل هذا الجهد العاطفي والنفسي المبذول. ويبدو بالطبع أنهم خلصوا إلى نتيجة أن هذا الجهد ليس بذي جدوى.
يُزعَمُ بالنيابة عن جيل من العرب أنه قد أُنهك سواءً على المستوى الفردي أو الجماعي. وحسب تعبير البروفسورة محرز فأن الموضوع الرئيسي الذي يتخلل هذه الأعمال هو "استحالة أن تكون ما تريد".
حسناً، هذه صورة قاتمة بالطبع، إنهاك، عزلة، لا جدوى، إحباط؛ لقد كانت محرز نفسها تكتب قبل بضع سنوات ـ كما لاحظت ـ فهل تخلت عن قراءتها ذات المستوى الرفيع ولجأت إلى التفرج على التلفاز بدلاً من ذلك؟ حيث يمثل أمامها عالم عربي مختلف تماماً.
لو فعلت ذلك لرأت عالماً يرحب بفكرة الفردية العربية ويقدم عدداً متزايداً من نماذج الهوية العربية ويحطم قوة الدولة ويتحدى القيم الاجتماعية والأخلاقية التي تضع القيود ويتعاطف مع المجموعات المهمشة اجتماعياً ويبحث عن حلول للمشاكل الاجتماعية ويصور النساء في مواطن القوة ويزيد من التسامح الاجتماعي في نهاية المطاف. لو فعلت ذلك لرأت عالماً تزداد فيه الحيوية والابتكار. والحديث هنا بطبيعة الحال عن العالم الذي يراه الإنسان في الثقافة العربية الشعبية.
يمكن أن نجد كل هذه الميزات في عالم الموسيقى العربية المرئية الرائع الذي تكوَّن في تسعينات القرن العشرين. وهذا هو الوقت نفسه الذي بدأت فيه الرواية العربية التشاؤمية رفيعة المستوى بالظهور إلى حيز الوجود. لقد ظهر بديل آخر أعطى صورة مختلفة تماماً عن التصور العربي. نحن بصدد حالة يدرك فيها مركزان للثقافة ما يبدو أنه تحول مهم للغاية في الهوية العربية ويتفاعلان معه. أحدهما يصيبه الإحباط تجاه تعاظم الشخصية الفردية العربية التي يراها متمثلةً في العزلة والعبث، والآخر يمجد تلك الشخصية الفردية بل يزودها بالمقومات التي تعمل على تقويتها لأن هذه هي الطريقة التي يتبعها محبو الأشياء المبتكرة في بقية أنحاء العالم.
ينبغي أن تكون طبيعة الخلاف بين ثقافة النخبة والثقافة الشعبية أمراً مألوفاً بالنسبة لنا لأننا نعيش في نفس الظروف الثقافية الازدواجية. فالنخبة الفردية تغني أيضاً أغاني ويلات لا تنتهي، لأنهم يعتقدون أن ما يجري حولهم يسير ربما نحو الأسوأ ويقرعون جرس الإنذار لأتفه الأسباب بينما تبقى الثقافة الشعبية منطلقة ومتفائلة إلى حد بعيد.
قبل أن نترك موضوع الخيال الروائي رفيع المستوى وندخل إلى عالم الحسيات سريعة الزوال، لابد لي من التطرق إلى موضوع ذي علاقة بالدور الأمريكي في هذه التطورات. لا تُتهم الولايات المتحدة بمحاولة الوصول إلى السيطرة على الثقافة العالمية فحسب بل بنشر ثقافة هي في جوهرها سطحية وتافهة، ثقافة الهمبرغر واللغة الهابطة. البروفسور بنجامين باربر هو واحد من المهتمين المعروفين ويعمل حالياً في جامعة ماريلاند، وهو مؤلف كتاب "الجهاد وعالم الـ Mc" الذي يتناول قضية مثل هذه بالتفصيل.
لقد ظهر، في الأسابيع والأشهر التي تلت أحداث الحادي عشر من أيلول، كمٌ كبير من مقالات الصحف والمجلات التي توضح "لماذا يكرهوننا"؛ وكان البروفسور باربر من ضمن الذين دعوا إلى طرح هذه القضية. وقد ناقش ذلك في صحيفة الواشنطن بوست في شهر تشرين الثاني من عام 2001.
لقد قال في مقالة الواشنطن بوست: "نحن لا نصدِّر أفضل ما عندنا من الثقافة". يظن باربر أن أفضل ما عندنا من الثقافة يتمثل في الموسيقا الجادة وفي الجاز والشعر وفي الأدب ذي المستوى المتميز وفي الكتاب المسرحيين. "نحن نصدِّر الأسوأ والأكثر صبيانية والأكثر عامية والأكثر تفاهةً من ثقافتنا، ونقول بأن هذا أمريكي".
ربما لا يتطابق هذا تماماً مع الواقع. ونحن إذاً نناقش في هذه الأمسية أعمالاً ثقافية متنوعة لا نستطيع إلا وضع عدد قليل منها فقط في عداد الأعمال الأمريكية صرفة المنشأ. ويتصادف أن يكون واحداً منها الرواية العربية رفيعة المستوى. يمتلك هذا النوع من السرد القصصي الخجول جذوراً عميقة في منطقة الشرق الأوسط.
في ستينات القرن الماضي ترجم روائي فلسطيني يدعى جبرا إبراهيم جبرا رواية الصوت والغضب للروائي وليام فولكنر. وحسب رأيي فإن هذه الترجمة كانت عملاً شجاعاً. تحتوي رواية فولكنر على أربعة شخصيات واحد منها مضطرب نفسياً والآخر مضطرب عاطفياً وعنده نزعة انتحارية. على أية حال فقد كان هذا هو النموذج الأول لعمل قصصي متعدد الأصوات (متعدد الرواة) يصدر باللغة العربية. استفاد جبرا من هذه التجربة وكتب بنفسه فيما بعد رواية تقليدية عن خسارة الأرض بعنوان "السفينة" مستخدماً فيها شخصيتين.
لقد تطور السرد القصصي العربي الرفيع المستوى عبر مراحل مدهشة متعددة منذ ذلك الحين. فها هو الكاتب المصري الشهير صنع الله إبراهيم يتجه إلى العمل فيما يسمى الأسلوب الوثائقي الذي كان قصب السبق فيه لأمريكي آخر هو جون دو بارسوس. فيما خاض كتّاب لبنانيون آخرون تجاربهم القصصية الخاصة فيما يتعلق بكروب حربهم الأهلية التي طال أمدها.
ولكن القول الثقافي الفصل هو أن النثر الأدبي العربي ما كان له أن يكون ما هو عليه لولا التأثير الأمريكي. وفي الحقيقة فأنا مستعد للجدال بأنه، فيما يخص النقاش في الثقافة الشعبية في الشرق الأوسط، يدين بعض المولعين بنقد الثقافة السوقية للتأثير الأمريكي بمثل ما يدين به لها أولئك الذين ينتجون أعمالهم الشعبية المثيرة للجدل بأنفسهم أن لم يكن بأكثر. فيما أنا أستطرد دعوني أذكر جملتين عن الهمبرغر من ثمن السيطرة الأمريكية. على حسب معلوماتي فإن عالمة الأعراق البشرية هولي تشيس هي الباحثة الوحيدة التي قامت بدراسة تأثير ماكدونالد في أسواق الشرق الأوسط. عندما افتتح أول فرع لمحلات الوجبات السريعة (البرغر) في استانبول بدأت السيدة تشيس بتدوين ما كانت تظن أنه سيكون إتلافاً وإفساداً للمطبخ التركي. وبدلاً من ذلك ومما أثار دهشتها أنها هي نفسها أصبحت شاهدة على تجديد وتنشيط الوجبات السريعة التركية ذات النمط القديم.
ولم تكن هي أول من يكتشف بأن الأسواق الحيوية التي تسود فيها المنافسة هي ظواهر جديرة بالملاحظة لا يمكن التنبؤ بها وهي مليئة بالمفاجآت.
دعونا الآن نلقي نظرة على الأسواق الثقافية العربية وبعض المفاجآت التي توجد فيها.
الحقيقة هي أن الثقافة العربية الشعبية المعاصرة مليئة بالمفاجآت لكل الناس. فالزوار للمنطقة غير مهيئين في العادة لما ينتظرهم لأن معلوماتهم عن المنطقة لا تزيد إلا بالجزء اليسير عن الذي يعرفه الناس من خلال الصورة النمطية الشائعة المنطقة. والمهاجرون العرب الذين يعودون بهدف الزيارة يذهلون بما يرونه لأنهم غير مستعدين للنقلات والتغيرات التي طرأت على الثقافة. وقد يُدهش حتى الناس الذين يعيشون في المنطقة عندما يجلسون أمام التلفاز ويشاهدون الأفلام. بعضهم سيكون مبتهجاً والبعض الآخر سيكون ساخطاً.
تشكل الثقافة الشعبية بكل تأكيد مصدراً لا يستهان به للجدل والنزاع بين العرب. فعلى سبيل المثال، يقاضي حالياً محامٍ إسلامي مغنيةً مصريةً ذائعة الشهرة وشديدة الإثارة للجدل تدعى "روبي". هذا المحامي نبيه الوحش، وهو نفس المحامي الذي قاضى داعية مساواة المرأة الأولى على مستوى العالم العربي نوال سعداوي لإنهاء زواجها بسبب مزاعم عن عدم احترامها للمقدسات. لقد أخفق في تلك المهمة الأولى وهو يحاول الآن إنهاء شهرة روبي لكونها تشكل تهديداً للقيم الأخلاقية.
نانسي عجرم مثال آخر، وهي مغنية لبنانية من الذين يُدعون في المنطقة بالمغنين المثيرين للغرائز. عندما صعدت درجات المسرح في الكويت في السنة الماضية هاجم كويتيون محبيها بإلقاء الحجارة عليهم لأن الموسيقا لا تروق لهم.
بالطبع، ليس الإسلاميون فقط هم الذين لا تروق لهم المقطوعات المصورة غير المحتشمة. فلقد دار الحديث في اللقاءات التلفزيونية التي تتناول الأمور الحياتية في المنطقة عما إذا كان ينبغي حجب مقطوعات روبي الموسيقية المغرية بشكلٍ فاضح أو مقطوعات التونسية نجلاء أو اللبنانية أليسا.
قد لا يكون من المدهش أن كثيراً من الأصوات في المنطقة تعارض انتشار الإثارة الجنسية في المجتمع. ولكن الذي يدهش هو أن كثيراً من الأصوات ارتفعت للدفاع عن هؤلاء المغنين المثيرين للجدل لأسباب مختلفة. من هذه الأسباب أن الإثارة الجنسية لا تشتمل على أي ضرر، ومنها أن المواد الجنسية التي تسبب الإثارة إلى حد أبعد بكثير متوفرة على شبكة الإنترنت في أي حين. لقد تم عرض مسلسل في رمضان الماضي في كافة أرجاء الشرق الأوسط. وكانت فكرة هذا المسلسل هو أن الثقافة العربية يمكن أن تستفيد من الطريقة الأمريكية في علاج المشاكل الأسرية. تمحور هذا المسلسل الذي يدعى العمة نور حول مهاجرة عربية أمريكية. عندما عادت هذه المهاجرة لزيارة بلدها وجدت أمامها عائلة مشتتة فاستخدمت أسلوب الصراحة والتقنيات العلاجية التي تعلمتها في الولايات المتحدة لتحل مشاكل عائلتها. (مع ملاحظة أن الثقافة العربية قد تكون شديدة التوجس تجاه هذه الأمور). في نهاية المطاف عاشت العائلة بسعادة ولكن مشاهدي التمثيلية لم يعجبهم الأمر. هذا المسلسل أيضاً كان مثار نقاشات حادة. حيث أن النقاد ذوي الاتجاهات القومية العربية ـ أو العروبيون ـ قد عارضوا ما رأوا فيه إذلالاً ثقافياً آخر.
وقد تم سحب أحد المسلسلات الذي كان من المقرر عرضه في رمضان بعد بضعة حلقات فقط. هذا المسلسل هو "الطريق إلى كابول" وقد سُلط فيه الضوء على امرأة عربية تزوجت من رجل أفغاني وانتهى بها المطاف إلى العيش تحت ظل نظام طالبان القاسي.
لقد كان هناك تخوف في المنطقة بأن يشعل هذا المسلسل فتيل نقاشات حول دور المرأة في التشريع القرآني. وهذا لم يحصل. حيث أنه تم نشر تهديد لحياة كل من كان له يد في هذا المسلسل بمن فيهم الممثلين وطواقم الإنتاج، وذلك عبر موقع للإسلاميين على شبكة الإنترنت. وفجأة اكتشف المنتجون الذين يتخذون من قطر مقراً لعملهم أخطاءً تقنية هائلة في المسلسل، وأوقفوا بثه.
قبل سنوات مضت كان الهجاء السياسي شيئاً نادراً في العالم العربي، فقد وجدت قاعدة معروفة بشكلٍ جيد نظمت العلاقة بين الثقافة والسياسة. نصت هذه القاعدة على أن كل ما يصرف الانتباه عن الأهداف العربية المش