الباب الثانى
حواديت
أربع حواديت:
من طفلة أمية شغالة
عن: توظيف العدوان،
واكتشاف طبقات الذات، والتكامل.(د-يحى الرخاوى)
مقدمة:عن المنهج والقراءة المزدوجة
لم نتكلم عن المنهج(1)، منذ بداية النشر عن ما هو قراءة نفسية فى وعى التراث الشعبى ولم يكن هذا إهمالا، كما لم يكن بقصد مبيت، وكان لابد لنا أن نعود لما سبق أن نشرناه بتلقائية نسبية، لننظر فى معالمه لعلنا نكتشف منهجه بأثر رجعي، فوجدنا أن أغلبه اتبع طريقا يمكن رصد بعض معالمها كالتالي:
1- نقرأ النص كما ورد فى التراث بانتقاء عشوائى أو ترابطـى حسب السياق.
2- نبدأ بالفكرة (أو القيمة، أو المعلومة) مستمدة من النص.
3- بعد التأويل المباشر نبحث عما يدعمهما ونناقش ما يعارضهما-من معالم تراثية أخري.
4- نحاول تفسيرها والتأكيد على توازيها مع بعض المعلومات والنظريات النفسية والطبنفسية دون وصاية عليها، بل باستلهام منها.
5- نستطرد-أثناء ذلك-استطرادا تختلف أبعاده باختلاف حدة التداعى ودفعة الحماس.
ومن خلال هذا الموقف السابق، لاحظنا كما لاحظ قراؤنا أن هناك تحيزا(2) واضحا.
(أ) نحو ما نريد تقديمه من أفكار.
(ب) نحو ترجيح إيجابية الحدس الشعبى (دون سلبية).
وقد وصل التحيز(2) أحيانا أننا كنا نتعسف فى التفسير، كما كنا نقلب السلبيات إلى إيجابيات لدرجة تستجلب الغيظ حتى الاعتراض والتحفظ..
ولكننا ونحن نقدم الآن هذا النوع الآخر من الأدب الشعبي، وهو الحدوتة، نجد أنفسنا أمام نص قد ترامت أبعاده وتعددت إيحاءاته، كما نجد أنفسنا ناظرين إلى الراوي، جنبا إلى جنب مع الرواية.
المحاولة قراءة مجتهدة، فرضية بالضرورة، مرنة متغيرة.
وقد اخترنا ان يكون مصدرنا فى هذه البداية "واحدا" (3) محددا "منشورا" وقد انتقينا هذا المصدر لأسباب عدة (بعد الصدفة طبعا): منها:
1- أن الذى قام بجمعه وتبويبه ليس أكاديميا متخصصا (فهو يعمل بالتدريس العادى) واعتبرنا ذلك مزية خاصة.
2- وبالتالى فإن المنهج فيه ليس سجنا محكما، بقدر ما هو تلقائية ملتزمة.
3- إن الذى قام بالجمع هو شخص واحد لا أكثر.
4- إن منطقة الجمع تحددت جغرافيا (الدقهلية: السنبلاوين، وميت غمر، والمنصورة) بشكل متواضع- فى حدود فرص الباحث فى التنقل والتواصل.
5- إن وسيلة البحث كانت التسجيل الصوتي.
6- إننا لاحظنا شدة الأمانة فى تسجيل النصوص المدونة، من حيث دقة النقل الحرفي، والالتزام بالرسم (المظهر) للعامية كما هي، بما يشمله ذلك من "أخطاء" دالة.
ولكن كل هذه الميزات لم تخـف عنا ما كنا نرجوه من الباحث من مزيد من التعريف بالرواة، كل الرواة، وليس التركيز على بضعة منهم، وكذلك ما كنا نأمله من إعادة التصنيف والتبويب والفهرسة، بطريقة أرحب وأكثر إحاطة، وأيضا ما كان يستطيع أن يضيف من هوامش شارحة وموضحة لمواقف بذاتها-لكننا نعترف أن الباحث غير ملوم فى أى من ذلك لأنه حدد هدفه من البحث فى "جمع مادة التراث الشعبي.. حتى تكون سجلا فيما بعد يدرس من خلاله … الخ".
لذلك، فقد اعتبرنا أن ما بين أيدينا هو مادة خام، جمعت بعناية خاصة، تستأهل القراءة من كل جانب، وأحد جوانبها هو مدخلنا هذا.
فما هو مدخلنا هذا؟
هذا هو ما يريد أن يقوله هذا الباب لعله ينجح
الحدوتة الأولي
الأستاذ الغول (4)
"كان فيه أستاذ، الأستاذ ده غول، المدرسة موظفاه، بس ما يعرفوش يعني.. إنه غول، فبعدين قام قال للعيال، اللى حييجى بدري، هنجحه فى المدرسة، فحبة تلامذه جم بدري، قام حبسهم فى الفصل، وقعد ياكل فيهم.
قام جت "فرع الرمان" وفى رجلها قبقاب كويس، قام بصت من الخرق، كانت واخده له شالية لبن، بصت من الخرق، لقته بياكل العيال، هوه لمحها، قامت جريت، القبقاب وقع منها، سابته ومشيت، ماقلتش حاجة، وبعدين الغول بقى يجيلها وهى نايمة، يشق لها الحيط ويدخل، وبعدين يقول لها "شفتينى باعمل إيه فى العيال؟" قالت له "ماشفتش" قال لها، قولى الجد "قالت له: ماشفتش"، وبعدين يسيبها ويمشي.
وكل يوم يجيلها. قامت زهقت.
قامت راحت بقا لعيلة، قالت لهم "بيتونى مع المواشى بتوعكم، أنام معاهم" أصل أنى حكايتى كذا و كذا، فراحت وبيتوها.
جالها الغول بالليل، قال لها "شفتينى باعمل إيه بالليل؟" قالت له "مفيش حاجة"، قالها: لأ. قولي. قالت له "ماعرفشي" وبعدين قتل البهايم وطلع.
صبحوا الصبح ضربوها، وتهموها فيها، قامت هى كبرت، ومشيت، وهى حلوه قوي، لكن إبن السلطان شافها، طلب من أبوها إنه يتجوزها، قام إيه؟ إتجوزها. وبعدين خلفت أربعة، كل ما تخلف عيل، الغول يبيجى يأخذه وهى فى السبوع، ويعوص بقها دم، وبعدين جوزها يقول لها: إنت بتكليهم؟ تقول له: "أبدا" وبعدين قام قال "أنى حاتجوز واحده غيرها".
كان سيدها (حماها) (5) بيسافر بلاد بعيدة، قال لها "عايزة إيه من البلاد يا فرع الرمان" قامت قالت له "هات لى علبة مر، وعلبة صبر" وبعدين جاب لها، تحطهم قدامها وتقول "يا علبة المر مررتيني، يا علبة الصبر صبريني" وبعدين قام الغول شق الحيطه، ودخل لها وهى قاعده، وفى ايده أولادها، بقوا كبار قوي، واتوظفوا …… دكتور .. قامت قالت له "دول ولاد مين" قام قال لها: "ولادك إنت" قامت قالت له "هو انت ماكلتهومش؟" قال لها: "لأ" وبعدين قامت قالت لأولادها "انتو عارفين الفرح اللى هناك ده؟" قالولها "آه" قالت لهم: "فرح أبوكم"، قاموا العيال راحوا بقى ياخدوا التراب، ويزقلوا، ويقولوا: "الفرح فرح أبونا، والغرب يطردونا" قام أبوهم قال، احنا لازم نروح نسأل "فرع الرمان"، قاموا راحوا يسألوا فرع الرمان، قامت قالت له: "دا دول ولادي، والحكاية بتاعتهم كذا وكذا".
توتة توتة، خلصت الحدوته".
لقد اخترنا أن نبدأ بهذه الحدوتة (الأستاذ الغول) لما فيها من معالم تستأهل الوقوف عندها، ومن ذلك:
1- شخصية الراوى (أنظر بعد)
2- إنها اشتملت على وجوه متعددة لشخصية الغول (وهى شخصية مكررة فى الحواديت).
(الغول هنا كان "أستاذا" (مدرسا) (6) - وكان قـدرا غامضا، وكان قـدرا طيبا …أنظر بعد)
3- إن الحدوتة لم تحتو على استقطابات أخلاقية مسطحة، مما تشتمل عليه الحواديت عادة، فهى لا يوجد فيها خير مطلق فى مقابل شر مطلق مثلا.
4- إن العقاب (لصق التهم واختطاف الأولاد) فى هذه الحدوتة بدأ غير مفهوم وبلا جريمة محددة، أو عصيان صريح.
5- كذلك لم يرتبط الثواب (عودة الأبناء) بأى حديث يبرره.
6- إن النهاية كانت مفتوحة، (دون إعلان مباشر للتبات والنبات مثلا).
لكل هذا، بدت لنا هذه الحدوتة مختلفة عما يتواتر فى مثل هذا التراث، فركزنا على شخصية الراوى لعلها تنير بعض معالم هذا الشتات، فوجدناها:

















