مولانا محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفرى
كتبهاالفيل--النت بتتكلم عربى ، في 7 سبتمبر 2007 الساعة: 18:26 م
الباكرة
… فى بعض مواقف
مولانا محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفرى
علمُ النفس، مقابل عـلـمٌ بالنفس
——————-
قبل المقدمة
ا) ظهر النفرى يلفه غموض كغموض عصره، نحن لا نعرف من هو، ولا نعرف لماذا لم يتحدث عن مصنـفـاته وأساتذته أو شيوخه،..0قال:
"إذاضقت ذرعا بدواعى نفسك فاسكن إلى زوجتك، فإن ضقت فإلى أهل علمك، فإن ضقت فإلى أهل معرفتك، فإن ضقت فسر فى الأرض، فإن ضقت فالزم بابى، فإن ضقت فيه فاصبر، فإن ضقت فيه فاصبر (كررها حتى قال) اصبر ينفتح لك نور"
ومن فرط تواضعه لم يكتب ما كان يقول، إنما كان يؤلف كتابه شفهيا لمريديه، ويكتفى بذلك.
أحمد بهجت ، صندوق الدنيا . الأهرام 15/12/1999
ب) …ويبدو أن النفرى قد تلقى الأمر بألا يبوح للآخرين بما يقع له من تجارب، ومن هنا جاءت لغته مجازية تماما، وفيها الكثير من الجرأة والمغامرة فى النحت والاشتقاق، الذى يصل إلى حد الإغراب، وترتب على ذلك…(الخروج) عن اللسان المعتاد والمنطق المألوف، ويوقفنا على هوة، هى حسب قـول النفرى :
“برزخ فيه قبر العقل ، وفيه قبور الأشياء"
فشرح نص النفرى يصبح مهمة فيها الكثير من المخاطرة،
وإن كان البحث عن الحكمة يستحق المخاطرة.
………. و"أوقفني" معناها أن الله أيقظ قابليتى لتلقى التجلي.
و"قال لي" معناها أنه عرّفنى بأن رفَعَ حجابى فعرفتُ، فكأنه قال لي.
…، فبدل أن يقول الواحد منهم (من الصوفية): انـقدح فى ذهنى هذا الخاطر، يقول: قال لى ربى، إيمانا منه بأن نبع الحقيقة و ملهمها هو الله سبحانه.
أحمد بهجت . صندوق الدنيا . الأهرام 1/1/2000
وقال لى
"… وادخل على بغير إذن،
فإنك إن استأذنتَ حجبتُك"
من موقف الدلالة
"..لا أحد يعبر الصراط إلا فوق نارٍ
اختار احتمال أن يقع فيها"
من قراءة "يحيي" فى موقف الاختيار
(يحيى الرخاوى)
أولا : منهج قراءة "النص"بين التفسير والاستلهام
كيف نقرأ نصّا ما؟
وقبل ذلك : ما هو النصّ؟
النص هو كل منظومة تتماثل فى أفق الوعى، فتستثير الفهم، أو الحوار، أو الإضافة، أو التكملة، أو الجدل، أو التفرع الخلاّق، أو التكامل، أو كل ذلك مجتمعا.
وقارئ النص هو من تفتّح وعيه للمُـدرَك المتاح ليعيد تشكيله بما أمكن، وهذا موقف لا يشترِط القراءة والكتابة، بقدر ما يشترط الدراية واليقظة.
الإنسان هو نفسه "نص" يحتاج فى قراءته إلى ما يحتاجه أى نص.
و لعل المشروع العملاق المسمى مشروع الجينوم الذى يحاول قراءة الخريطة الجينية للإنسان، هو محاولة علمية رائدة لقراءة النص البشرى بفك شفرة مكوناته الجينية. وحتى هذه القراءة بعد أن تتم، وعلى الرغم من أنها تعد بأن تكون قراءة بيولوجية مستفيضة، سوف تحتاج إلى قراءات كثيرة لاحقة: ناقـدة ومستلهِـمة.
كل "آخر"(كل إنسان آخر) هو نص "آخر"، مختلف عن أى نص "آخر".
المريض النفسى هو نص أكثر تعريا، وأكثر تحديا، وهو "نص" يحتاج إلى قراءة، أكثر منه اضطراب يحتاج إلي"لافتة"(تشخيص). ولعل هذه الحقيقة كانت تكمن فى خلفية المؤلفَيْن وهما يقدمان على هذه المغامرة فى مواجهة نص بهذا التعـقيد، وهذا العمق، وهذا الخلود.
إن أى نص (بما فى ذلك "الآخرـ الإنسان"، وأيضا النص الإلهي) يمكن أن يتناوله الوعى بوسائل كثيرة، على مستويات متعددة، نورد بعضها فيما يلي:
1) التسليم لظاهرالنص من فرط حضوره الجاهز والكامل.
فى هذه الحالة يكون النص بمثابة مؤسسة سلطوية. يترتب على ذلك تسليم تختلط فيه الطاعة بالخوف بالتشكّل لما يلوح منه دون مواجهته.
2) ترجمته كله أو بعضه إلى لغة المعاجم الجامدة (حتى التحنيط أحيانا) مع احتمال الاستعانة بالتاريخ المشكوك فى مصداقيته عادة.
3) ترجمته إلى لغة منظومة أخرى لا ينتمى إليها أصلا .
مثل المحاولات الأحدث والأكثر تسطيحا التى تجرى تحت اسم: التفسير العلمى (أو الرقمى !!) للقرآن الكريم.
4) إنكاره أو إهماله جزئيا أو كليا (عجزا عن فهمه ، وربما هربا من تلقّى رسالته ، أو قبول تحدّيه).
5) إدراكه على مستويات متعددة ، تعلَن كلها، أو يُحبس بعضُها خوفا من سوء تأويل العامة دون الصفوة. (اتجاه كثير من المتصوفة)
6) استعماله بظاهر شكله كرمز عيانى، له مفعوله الأسطورى الخاص، مـثل التبرّك به بغض النظر عما يقوله مضمونه.
نتوقف هنا لنقول إن ذلك وغيره قد يتم على مستوى الشعور أو اللاشعور، وأن ثمة احتمالا يقول :
إن بعض ما وصَلَنَـا من النصوص الخالدة (والمقدسة) قد وصلنا من خلال قراءات تناولت الأصول حسب المتاح فى مرحلة تاريخية بذاتها، قراءات استعملت لغة معيّنة فى أرضية معرفية محكومة بالمُتاح لها.
قد ينجو النص من وصاية هذه التفسيرات فتظل أصوله النقية متاحة معطاء جنبا إلى جنب مع اجتهادات تفسيره.
وقد يختفى فى ثنايا تفسيره، أو يحل التفسير محله، فتحرمنا التفاسير منه فى ذاته، لذاته، وبالتالى تحرمنا من استعادة الحوار معه لاستلهامه على أن ثمة نصوصا، ليست مقدسة بالضرورة، تثبت جدارتها وفائدتها للبشر والحياة دون أن يستطيع الوعى البشرى فى مرحلة (أو مراحل) من تطوره أن يلمّ بمستوياتها المتعددة فى آنها، فهى تبدو غامضة أحيانا، ومتناقضة أحيانا، وبعيدة أحيانا، لكنها تبقى واعدة، متجددة، وكأنها تنتظر، أو تتحدي. (من ذلك بعض المأثورات والأمثال الشعبية).
لعل السبب الذى يفسر هذا العطاء المتجدد هو قدرة هذه النصوص على مخاطبة أكثر من مستوى من الوعى دون أن نعرف أى مستوى هو الذى يحتاجها، فى وقت بذاته.
وتتجدد الإيحاءات مع تغيّر مستوى الوعى المتلقي.
وقد تصل أصالة نص ما إلى ما يبدو وكأنه خلود دائم العطاء. ويعتبر خلود مثل هذه النصوص دعوة ضمنية للعودة إليها، وإعادة قراءتها، واستلهامها، بما يستجد للإنسان من أدوات ولغات باستمرار، وبما يتحرك فيه ومعه من مستوياتٍ للوعى متجددة ومتضفرة ومتفرعة.
تتميز هذه النصوص عادة بأن عطاءها ليس له زمان محدد. فنحن نكتشف فيها كيف أنها قد تتناول المشاكل الحاضرة، بل وأحيانا المستقبلية وكأنها تعيش بيننا الآن، ثم غداً، مع أن عمرها قد يصل إلى مئات، أو آلاف، السنين. وهذا لا يعنى قدرة تنبؤية خارقة، أو معجزة خاصة، وإنما هو يشير إلى عمق ما وصل إليه مثل هذا النص من طبقات الوعى الأساسية التى تشكل الكيان البشرى، فتتجلى متجددة، مع تغيّر الزمان واللغة.
إن خلود النص لا يرتبط بقدراته التنبؤية بقدر ما يرتبط بعمق غوصه إلى جوهر الوجود الذى لا يتغيّر، وإن تجددت تشكيلاته وتنوّعت لغاتـه.
من منظور نفعى بحت، لا بد أن لمثل هذه النصوص فائدة للمتلقين عبر التاريخ، وإلا فكيف بقيت هكذا حتى الآن على الرغم من كل شيء؟
وسط الفيضانات الهائلة من الوصاية والإحاطة والملاحقة بقشور المعلومات، يظل نقاء الوعى البشرى قادرا على معاودة استلهام مثل هذه النصوص الخالدة، دينية كانت أم غير ذلك.
ويُحسب للوعى البشرى الجماعى، على الرغم من كل ما لحقه، أنه ظل يحافظ على النصوص المقدسة، وعلى أداء المشاعر الدينية، ضد كل محاولات الشرح والاختزال والإنكار، بل ضد كل محاولات العـلـمنة، والـعــقلنة، والمَنْطَقَـة.
إن محاولات العودة المتكررة إلى نصوص بذاتها تؤكد أمرين:
الأول: هو أن القراءات الأولى ، مهما بلغ اجتهادها، ليست كافية.
الثاني: هو أن ثمة حاجة إلى إعادة النظر فى المنهج باستمرار.
إن هذا العمل الذى نقدمه ـ فى رحاب النفرى ـ إنما يتحرك داخل نص شديد الغموض، واعد بالخلود، إلا أننا نلاحظ فيه بوضوح تلك الميزة التى أشرنا إليها حالا من تناوله قضايا "الآن" بكل تفاصيلها وكأنه يعيش بيننا.
إننا لا ننوى، ولا نستطيع، أن نترجم مثل هذا النص إلى عطاء علم النفس، أو فلسفة العلم، أو مقولات النقد عن الكتابة "عبرالنوعية" مثلا، أو عن علاقته بالحداثة، وما بعد الحداثة، والتفكيكية… إلخ. ولا نحن ننوى، أو نستطيع، أو نريد، أن نربط بينه وبين عودة الفلسفة إلى الشارع والمقاهى، والحياة العادية.
إن مثل هذه المحاولات تكاد تكون "ضد" ما نريد تقديمه.
لسنا هنا فى مجال الحديث عن بعض ما لحق بالنصوص المقدسة من تشويه وامتهان حين عوملت بمناهج حديثة لا تصلح لها حتى لو سمّيت "علمية"،أو "عقلية"، أو عقلانية، أو ما شئت من مسميات.
منهج الاستلهام الذى نطرحه هنا لا يقترب من جزئيات النص ليحـشرها فى قوالب (لغوية أو علمية) جاهزة مسبقا، قوالب لم ُتعدّ لمفردات مثل هذه النصوص أصلا، ولا بمـقدورها أن تستوعب مضمونها.
يقوم الاستلهام بالتعامل مع النص القادر الواعد المفيد كوحْى متجدد، باعتبار أن رسالة النص الخالد بمستوياتها المختلفة قادرة على تحريك ما يقابلها فى المتلقى، فى أحواله المختلفة، وأزمانه المختلفة، فيقرأها فعلا، أو قولا، أو إبداعا
=====================================================================
نحن نريد أن نعرف ما هو "نحن"؛ "كيف" ؟ "وإلى أين" ؟ نريد علما بالنفس، جنباً إلى جنب، وربما سبقاً على عطاء العلوم النفسية جميعا والتى كادت تخنقها ألعاب مؤسسات التجارة والسلطة، كما قيد خطوتها ضيق المنهج.
على الرغم من يقيننا الواضح بأن التصوف أساساً هو خبرة مُعاشة، غير قابلة للكتابة، ومن ثم غير قابلة للشرح والتأويل، إلا أننا بعد ما تلكأنا أكثر مما ينبغى لم نعد نملك إلا أن نعاود المغامرة. فقد اكتشفنا أننا لو استسلمنا لهذه المقولة (العجز عن الكتابة عن ما لا يـُكتب)، (أو ما لا ينقال بلغة مولانا النفّري) فإننا نساهم فى دفن هذه الخبرة البشرية الإيمانية بعيداً عن وعى من لم يألفها، فلم يَـْرتـَدها، وبالتالى فنحن إذا انسحبنا إنما نساهم بهذا الانسحاب (المتعالى بشكل أو بآخر) فى اختزال الوعى الإنسانى إلى ما أريدَ به من جانب الوصاة والمستـثمرين!!!
نحن لا ندّعى القدرة على الإلمام بفيض ما يوحِى به هذا النص، كما وصل إلينا، وإنما نحاول أن نتطفل على مائدة النفرى، إذ ندور حول متنه، لعلنا نضيف هوامش واعدة نستنشق من خلالها بعض عبير ريح هذا القطب الجليل.
وقد اقتصر هذا الكتاب على بعض من ثلاثة مواقف هي:
موقف ما لا ينقال، وموقف القرب، وموقف قد جاء وقتي.
الجزء الأول
من موقف: ما لا ينقال
1) أوقفنى فيما لا ينقال وقال لي: به تجتمع فيما ينقال
لاحِــظ الجر والمجرور: "به".
ثم لاحظ "تجتمع". فهو لم يقل به تعرف ماذا ينقال، وإنما قال "به تجتمع".
ثم انظر فى جرٍّ آخر بحرف الجر "في"، تجتمع في/ما، وليس تجتمع فقط، ولا حتى تجتمع إلى، تجتمع "في" ماذا!؟ "فيما ينقال".
صـَوّرتْ لنا قشور العلم "الحديث" أن المخ البشرى لا يفرز إلا فكراً أو كلاماً (ينقال). تـُذكرنا هذه الوقفة أننا لا نفرز ما ينقال فقط، ولكننا،أيضا، وربما قبلا : "نجتمع به" و "نجتمع فيه"، فــ: ينقال، أو يقول دون أن ينقال.
وحتى نجتمع فيه، لعله ينقال، علينا أن نقف فيما لا ينقال أولاً، وكثيراً.
ثَمّ وجه شبه، وأيضا ثَمّ فرقٌ، بين ما لا ينقال هنا، وبين مفهوم سيمياء اللغة [2] ، وهو أن تقرأ ما لم يُقَلْ من خلال ما قيل، ذلك أن ما لا يقال هنا كأنه "لا يمكن أن ينقال أصلا" بالوسائل المتاحة، وأن إخفاءه هو حتمٌ ليظهر: فعلا أو وعيا أو وجودا متميزا.
2) "وقال لي: إن لم تشهد مالا ينقال، تشتّتَ بما ينقال"
أيضا: شرط أن يكون ما ينقال جديراً بالإنصات، أو بالحضور، أو خليقاً بالحوار، أو واعداً بالإضافة، شرط ذلك أن "نشهد" ما لا ينقال. فإن لم نفعل، أصبح ما ينقال عبئاً على معرفتنا لا إضافة إليها. بمعنى أننا إذا عجزنا عن أن نشهد ما لا ينقال، لم ننتفع بما ينقال بل إن"ما ينقال" إذا استقلّ واستغنى فلم يكشف عما لا ينقال، أو لم يُشر إليه، فإنه ليس فقط يخفيه، وإنما هو أيضا يشتته، وهذا بعض ما تفعله المناهج الجزئية- مهما كانت محكمة أو رصينة بالمعرفة الكلية الضرورية. هى تظل تُجَزِّئُ فنجزِّئْ حتى تتشتت فتُـشتِّتْ. فكأننا بالاقتصار على منهج "ما ينقال" دون شهود "ما لا ينقال"، نـُضاعف من تجهيلٍ منظم، تحت لافتةٍ منهجية خادعة.
وقد يكون فى هذا أيضاً إشارة هادية تضئ المعنى الإيجابى لما هو: "الإيمان بالغيب"، وهو أساس جوهرى فى الإسلام، فقد فهم البعض الإيمان بالغيب باعتباره ضربًا من التسليم للمجهول، أو للغائب. وبالتالى فإن من يفعل ذلك هو جاهل أو مخرّف.
إن الغيب ، بما يوحى به هذا الموقف إنما يتضمن "ما لا ينقال". وبالتالى فالإيمان به يتطلب الاعتراف بأن "ما لا ينقال"، هو "غيبٌ فاعلٌ"، وليس غيبا سلبيا. وهو موقف أصـْلٌّى لا وصاية لآخر عليه، هو حضور قبل الحضور وبعده.
صعبٌ على الفكر المغترب المحدود (المادى أو المنطقى الأرسطى، أو الرياضى النيوتوني) أن يرى يقينية الغيب لدرجة الإيمان به شاهداً شامخاً.
الغيب "هو امتداد واعد بالمعرفة المفتوحة النهاية".
الإيمان بالغيب ليس استسلاما لآفاق الخرافة.
3) "وقال لي: ما ينقال يصرفك إلى القولية،
والقولية قول والقول حرف، والحرف تصريف".
هذا التحذير هو تنبيه إلى خطورة انفصال اللفظ عن معناه. لعلّ ذلك هو ما أسماه سيلفانو أريتي"اللفظنة"verbalism [3] بين تقف الألفاظ بذاتها لذاتها، وليس لما تتضمّنه أو تدل عليه.
هكذا يشرح النفرى مخاطر القولية باعتبارها مدخلا إلى التجزيئ المغترب، وهو الذى إذا تمادى أدّى إلى التفسخ.
حين يعلن النفّرى هذا التدرج من القولية (النافية لما ينقال) إلى القول الذى يـُختـَزَلُ بدوره إلى الحرف، فهو ينبهنا إلى مخاطر إغلاق الدائرة فى حركة لفظية كلامية هامشية تفصيلية مشتِّتة، ليست كافية للإحاطة بما يمكن الإحاطة به، بل إن الأمر إذا اقتصر عليها أصبحت مستبْعِدة لغيرها، فيتقزّم الوجود.
4) وما لا ينقال يشهد فى كل شئ تعرّفى إليه
ويُشهدك من كل شئ مواضع معرفته".
هو يؤكد مرة أخرى كيف أن ما لا ينقال هو إشهاد موجَّه إلى المعرفة الغائرة إلى جوهر الشيء، وفى نفس الوقت فإن ما لا ينقال هو أيضاً وسيلة إشهاد لمواضع المعرفة كمفاتيح إلى الشيء، وليس كمحددات مغـلقة على الشيء. هنا تنبيه إلى أن هجومنا على التجزئ التجهيلى والاختزال، قد يـُفهم على أنه إعلاء لشأن كلية شمولية هلامية، وهو ليس كذلك، بل إننا نرى أن الوقوف فيما لا ينقال يهدى إلى مواضع المعرفة المحددة، فهو يكشف التفاصيل إلى ما يراد تحديدا. والتفاصيل بهذه الصورة هى جامعة للكل ومشتملة إليه، وهذا هو التعدد فى "الواحد"، حين يقوم كل جزء مقام الكل لا بديلاً عنه، ولا شذرة نافرة منه.[4]
5) وقال لي: العبارة ميل،
أما أن العبارة ميل، فهى كذلك. إنك متى عبـَّرتَ، صـُغت الجوهر فى ألفاظ لا تكفى عادة للإحاطة بالكل الذى كان يريد أن يظهر. هى ميل لأنها جزء، والجزء يخدع إذا بدا وكأنه الكل، فهو بذلك يخفى الكل، حتى ولو كان يحاول أن يُظهره. هى ميل لأن المتلقى إنما يتلقاها بما يصله منها، وما يريد أن يستقبلها به، وليس تماما بما أرِيدَ أن يُبَلَّغ من خلالها. وهى كما تميل بقائلها إلى بعض ما يريد، تميل بمتــلقيها إلى الاكتفاء بما يمكن أن يُدرك منها.
ليس معنى ذلك أن نتجنب التعبير (العبارة)، بل المطلوب هو أن نجعله مجرد وسيلة ضمن وسائل كثيرة.
6) فإذا شهدت ما لا يتغيّر لم تمل
قرأتُ "المشاهدة" ليس باعتبارها تحديدا مرئيا، وإنما باعتبارها نشاطا متكاملا للإدراك الخارجى والداخلى معا، بما فى ذلك نشاط ما يسمّى بالعين الداخلية [5] التى بها تكتمل الرؤية إلى الإحاطة.
وما لا يتغيّر هنا وصلتنى ليس باعتبارها ما لا يفيد السكون، وإنما بما يعنى نهاية سهم التوجّه إلى الغاية القصوى، إلى وجهه تعالي.
هذه مرتبة لا يطمع أحد أن يـُغْرى بها من لا يقدر عليها. لا بأس أن نشير إلى بعض معالمها، للذى يحاول أن يشهد الحقيقة المطلقة، فيتواضع فى تقديس العبارة تواضعا يجعلها تؤدى وظيفتها فى حدود الإشارات والإيحاءات. ولا يجعلها تسجنه باعتبارها الوسيلة الأولى والأخيرة فى التواصل والتحديد.
7) وقال لي: القول يصرف إلى الوجد،
والتواجد بالقول يصرف إلى المواجيد بالمقولات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خش عليييييه | السمات:خش عليييييه
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






























