Yahoo!


وكمان مدونة جديدة!!!! وشقة جديدة ع النيل غير شقة الجيزة 

ونفتح الشقتين على بعض .....

عشان الفيل يرمح و يبرطع براحته !!!!

والهوا البحرى  يشهيص الكتوبة من غير حاسوبة

وابقوا تعالوا

العنوان سهل

انت بس قول الفيل اى عيل صغير يجيبك للشقة الجديدة
http://hadoota2.maktoobblog.com/



above

 

مثقف

كتبهاالفيل--النت بتتكلم عربى ، في 16 أغسطس 2007 الساعة: 20:23 م

ثقافة

د. طه حسين (1)
ــــــــــــــــــــــــــــ

كلمة نردِّدها كل يوم فيما نقول ونكتب، وقليل منا يُحققها في ذهنه، ويستطيع أن يعرب إعراباً دقيقاً عن معناها، شأنها في ذلك شأن ألفاظ كثيرة تنطلق بها الألسنة وتجري بها الأقلام، وليس لها في نفوس الذين ينطقون بها معنى واضح، أو صورة لا أقول دقيقة، بل مُقاربة. وأي لفظ أكثر تردداً في الأفواه وجرياناً على الأقلام من لفظ الأدب والفن؟. فسلْ إن شئت بعض الذين ينطقون بهاتين الكلمتين عمّا يريد بأيتهما أو بكلتيهما فستسمع ما يسوؤك غالباً، وما يُرضيك أحيانا؛ ذلك لأن هذه الكلمات ـ الثقافة والأدب والفن ـ قد ابتُذلت في الاستعمال العام، وكثُر ترديدها في الخطب والكتب وفي مقالات الصحف وأنبائها؛ ففقدت أو كادت تفقد معانيها، وأصبح كل من يحسن كتابة هذا الكلام الذي تنشره الصحف أديباً، وكل من أسمعك صوتاً فيه شيء من توقيع، أو أراك صورة أو شيئا يُشبه الصورة، أو لعب أمامك على المسرح، أو أراك صورة تلعب في دار من دور السينما ـ أصبح كل من فعل شيئاً من هذا ـ صاحبَ فن أو صاحب أدب، وهو بالطبع مثقف لأن الأدب والفن بطبعهما ثقافة!
وكذلك يُصبح الكاتبون في الصحف ـ مهما تكن الموضوعات التي يكتبونها، ومهما تكن اللغة التي يكتبون بها، ومهما تكن المعاني التي يؤدونها إليك ـ أدباء، ويصبح كلامهم أدباً، والذين يضحكونك بتهريجهم في ملعب من ملاعب التمثيل أو دار من دور السينما فنانين لا يتردّدون في أن يصفوا أنفسهم بذلك، وفي أن يملؤوا به أفواههم، وفي أن يُرتبوا لأنفسهم من أجل ذلك حقوقاً عليك وعليَّ وعلى الناس جميعاً وعلى الدولة. ومع ذلك فقد رأينا مصر في بعض عصورها القريبة تُفرِّق بين الصحفي والأديب، وبين المُهرِّج والممثل، وبين المطرب والمغني أو الموسيقيِّ، وما نزال نراها تُفرِّق بين من برع في الأدب أو في الفن، ومن برع في صناعة من الصناعات اليدوية ولم يُحسن قراءةً ولا كتابةً ولا علماً نظريا بأصول ما يصنع بيديه: ترى أحدهما قد أوتي حظا من ثقافة، وترى الآخر صانعاً ماهراً قد حُرِم الثقافة، ولم يؤت منها حظا قليلاً أوْ كثيراً. وليس بُدٌّ مع ذلك من كلمة الحق أن تُقال، ولأمور الثقافة وشؤون الأدب والفن من أن تؤخذ مأخذ الجد إن أردنا لهذا الوطن أن يرقى وأن يُسهِم في الحضارة الإنسانية إسهاماً صحيحاً.
وكلمة الثقافة في أصلها اللغوي القديم كانت يسيرة تستعمل فيما ليس بينه وبين معناه الذي نفهمه منها الآن صلة قريبة أو بعيدة، تُستعمل في المهارة التي تكون في بعض الصناعات، وفي تقويم المعوجِّ من الأدوات المادية بنوع خاص.
فكان يقال: ثقَّف الرمح، ويُراد: قوَّمه ونفى عنه الاعوجاج وجعله أداة صالحة من أدوات الحرب؛ ثم اتسع معناها شيئاً، فأصبح المهارة في صناعة بعينها من الصناعات، ولا سيما حين تكون هذه الصناعة دقيقة تحتاج إلى الذكاء والفطنة: فالتفريق بين الدينار البهرجي المزيف والدينار النقي الصحيح ثقافة، والصيرفي الذي يحسن ذلك رجل مثقف أو ثقف. ثم تجاوزت هذا المعنى، وانتقلت إلى معنى يتصل بحياة العقل والذوق.
فكان يُقال للرجل الذي يُحسن العلم بالشعر فيفرِّق بين جيده ورديئه، وبين الصحيح الثبت منه والمنحول المزيف ـ مثقف أو ثقف، وكانت صناعته ثقافة. وعسى أن يكون محمد بن سلاَّم الجُمحي الذي توفي في أوائل القرن الثالث الهجرة أول من استعمل هذه الكلمة بهذا المعنى في كتابه "طبقات الشعراء". ثم اتسع معنى هذه الكلمة فأصبح المهارة في كل علم من علوم العقل أو كل فن من فنون الذوق، ثم أهملت الكلمة ونسيت أو كادت تنسى حتى كان هذا العصر الحديث فاستعملت أثناء النهضة المصرية الأخيرة بين الحربين العالميتين ليؤدَّى بها معنى الكلمة الفرنسية (culture). وقد جرى على الكلمة الفرنسية نفسها شيء يُشبه ما جرى على الكلمة العربية؛ فكان استعمالها الأول في شيء مادي هو الزراعة، ثم جعل المعنى يتطوّر حتى أصبح يدل على معناه الحديث الذي نستعمل فيه نحن كلمة الثقافة الآن، وهو الذي نريد أن نقف عنده وقفة فيها شيء من تعمق وتفصيل.
فالرجل المثقف الآن بهذا المعنى ليس هو من أتقن علماً بعينه أو فنا بعينه، وإنما هو أوسع من ذلك وأشمل، هو الرجل الذي ذاق ألوان المعرفة على اختلافها حتى ذكا قلبع وصفا ذوقه وهذب طبعه، ونفذت بصيرته، وأصبح عقله قادراً على أن يفهم عنك حين تتحدّث إليه في أي لون من ألوان المعرفة، وأصبح عقله قادراً أيضاً على أن ينفي عن نفسه الشعور بالغربة حين يسمع حديث العلماء في علومهم، أو حديث أصحاب الفن في فنونهم، أو حديث الساسة والاقتصاديين في سياستهم واقتصادهم. والرجل المثقف هو الذي ذاق المعرفة وأحبها وتأثَّر بها، وتهيّأ لها فأصبح إنساناً بأوسع معاني هذه الكلمة، إنساناً لا يحس الغربة في أي وطن من أوطان الناس أو بيئة من بيئاتهم، ولا يجد القلق حين يسمع الناس يتحدثون في أي ضرب من ضروب الحديث؛ يفهم عنهم أحياناً فيخوض معهم فيما يخوضون فيه، ولا يفهم عنهم أحياناً أخرى فلا يوئسه ذلك منهم ولا من نفسه، وإنما يحاول أن يعرفهم وأن يفهم عنهم وأن يحقق الصلة بينه وبينهم، بعقله وقلبه وذوقه، عارفاً مرة ومنكراً مرة أخرى، راضياً حيناً وكارهاً حيناً آخر.
الرجل المثقف هو الذي لا ينبو عنه وطن ولا مكان ولا بيئة من أوطان الناس وأماكنهم وبيئاتهم، ومن أوطان الطبيعة وأماكنها وبيئتها وأوطانها المختلفة، هو الرجل الذي يحس من نفسه القدرة على أن يعيش في كل وطن، وفي كل ظرف من الظروف عيشة الفاهم لما يرى القادر على محاولة فهم ما لم يفهم.
والرجل المثقف آخر الأمر هو الذي أخذ من العلوم والفنون بأطراف تتيح له أن يحكم على الأشياء حكماً صحيحاً أو مقارباً. والتعليم هو سبيل هذه الثقافة، التعليم بمعناه الواسع الذي يفهمه الناس في هذه الأيام ويتيحونه للصبية أولاً، وللشباب ثانيا فيما ينشؤون لهم من المدارس ومعاهد العلم والتعليم الذي يكسبه الناس لأنفسهم بعد أن يأخذوا بحظهم من هذه المعرفة التي تُقَدَّم لهم في المدارس والمعاهد.
وأخص صفات الثقافة أنها ناقصة دائماً محتاجة إلى أن تزيد في كل لحظة، وأن صاحبها قلق دائماً، طامح إلى التزيد من المعرفة دائماً، لا يقنع بما يُتاح له من العلم مهما يكثر ومهما يعمق ومهما يتسع، لأنه مستيقن هذا الأصل من أصول الثقافة الصحيحة، والذي جاء في القرآن الكريم، وهو أن فوق كل ذي علم عليم.
وصاحب الثقافة محقق، لحاجته هذه إلى التزيُّد من المعرفة، ومحقق، لأن في الناس من هو أكثر منه معرفة؛ وهو من أجل ذلك متواضع دائماً لا يرضى عن نفسه، وإنما يطمح أبداً إلى أن يكون في غده خيراً منه في يومه.
ويظهر الفرق جليا بين الرجل المثقف والرجل العالم بالمعنى الدقيق الذي يفهمه الناس لهذه الكلمة في هذا العصر: فالرجل الذي أتقن علماً من العلوم وتخصص فيه ووقف حياته عليه مثقف دائماً، ولولا ذلك ما فهم علمه ولا أتقنه ولا حاول التفرغ له، ولكن من الناس من يكون رجلاً مثقفاً بأوسع معاني هذه الكلمة وأدقها، وهو مع ذلك لم يتخصص في علم من العلـوم، ولم يقف وقته وجهده على لون من ألوان المعرفة.
والرجل المثقف حقا يعرف أنه ليس قادراً على أن يبتكر المعجزات فيحسن العلم بما لم يصل الناس إلى العلم به بعد؛ ومن هنا اختلفت حظوظ الناس من الثقافة باختلاف العصور والبيئات: فقد كان "هيرودوت" مثلاً رجلاً مثقفاً في عصره، ولذلك استطاع أن يعرف كثيراً من شؤون الأمم التي ألمّ بأوْطانها، ولم يجد نفسه غريباً في أمة منها، وكان في الوقت نفسه مؤرخاً، لأنه روى لنا ما كان يمكن أن يُعرَف في عصره من تاريخ اليونان وتاريخ الأمم التي اتصلت بهم اتصالاً قريباً أو بعيداً. ومع ذلك فاخْتَرْ أيَّ مؤرِّخ معاصر فستراه أعظم ثقافة وأشد تخصصا من "هيرودوت"، ذلك لأن علم الناس يزيد دائماً ولا ينقص أبداً. وإذا قضى الجهل والضعف على أمة من الأمم بعد أن كانت قوية مثقفة عالمة فإن علمها وثقافتها لا يذهبان مع الريح، وإنما ينتقلان منها إلى أمة أو أمم أخرى.
ومن هنا ورث العرب ثقافة اليونان، وورث الأوروبيون ثقافة العرب، ثم عرفوا حقائق الثقافة اليونانية أكثر مما عرفها العرب، فانتفعوا بها وأضافوا إليها، كما انتفع العرب بثقافة غيرهم من الأمم، وأضافوا إليها من عند أنفسهم.
وأكبر الظن أن أمماً أخرى ليست عظيمة الحظ من الثقافة والعلم ستأخذ عن الأوروبيين ثقافتهم وعلمهم، أو هي قد جعلت تأخذ عنهم ثقافتهم وعلمهم، فإن أتقنت ذلك، وعرفت كيف تسيغ ما تأخذ، وكيف تلائم بينه وبين ما ورثت عن أجيالها القديمة، وكيف تجعل من هذا وذاك مزاجاً ملائماً لطبعها، فليس من شك في أنها ستكون مثقفة عالمة بأدق معاني الثقافة والعلم. ومعنى ذلك أنها لن تكتفي بالأخذ والنقل، ولكنها ستتمثّل ما أخذت وما نقلتْ، وستُشارك فيه مشاركة أصيلة، وستضيف إليه من عندها مثل ما أضاف الأوروبيون إلى ما أخذوا عن غيرهم أو أكثر منه.
ومعنى ذلك أن الثقافة والعلم ليسا مقصوريْن على أمة من الأمم أوْ جيل بعينه من أجيال الناس، وإنما هي أشبه شيء بالنسم الذي يتنسّمه الناس جميعاً، والذي يحمل من ألوان الغذاء ما يُصادف القادرين على ذوقه وتمثُّله والملاءمة بينه وبين طبائعهم وأمزجتهم، فكل إنسان بطبعه قادر على أن يتلقّى الثقافة والعلم ويزيد فيهما بشرط أن يبتغي إلى ذلك وسائله، ويسلك إليه سبله، وينتفع بتجارب الأمم التي سبقته أو عاصرته والتي أخذت من الثقافة والعلم بأعظم الحظوظ.
وقد شُغِل الأوروبيون بحقائق ثقافتهم وعلمهم منذ انفضّت الحرب العالمية الأولى وجعلوا يُحاولون أن يُحللوا العقل الأوروبي ويردُّوه إلى الأصول التي كوّنته وأتاحت له ما يستمتع به الآن من الرقي والتفوّق، وعرّضتْه لما يتعرّض له الآن من الخطر. وكان الشاعر الفرنسي العظيم "بول فاليري" بارعاً حقا حين ردّ العقل الأوروبي الحديث إلى أصول ثلاثة، هي: تراث اليونان في الفلسفة والأدب والعلم والفن، وتراث الرومان في النظام والتشريع وفي السياسة والحرب، والمسيحية بما أودعت فيه من قيم الأخلاق ومُثلها العليا ومن الطموح إلى الإحسان والعدل والإنصاف، وإلى العلم آخر الأمر بأن الناس جميعاً سواء في الحقوق والواجبات، وأن مساواتهم هذه إنما تأتيهم من حيث أنهم ناس يشتركون في طبيعة الإنسان الذي أنشأ الحضارة وعرف كيف يُسيطر على الطبيعة، أو على ما سيطر عليه منها، وكيف يستثمر الأرض ويوجه استثمارها إلى ما ينفع الناس عامة لا ما ينفع فرداً دون فرد أو شعباً دون شعب أو جيلاً من الناس دون جيل.
وواضح أن الانحراف عن أصل من هذه الأصول له نتائجه في ضعف الأمم وانحلالها وتأخّرها عما ينبغي لها من المكانة الممتازة بين الأمم الرّاقية.
فالانحراف عن إيثار المعرفة لنفسها والانتفاع بنتائجها ينتهي إلى الجهل وما يعقبه الجهل من ضعف وانحطاط، والانحراف عن النظام وحسن التشريع والسياسة والاستعداد لطوارئ الحرب منتهٍ إلى الاضطراب والفوضى، والانحراف عن أصول الأخلاق ومثلها العليا منته إلى الظلم والاستعلاء واستغلال الإنسان للإنسان، وهو الذي تتورّط فيه أوروبا الآن، فيجرُّ عليها ما يجرُّ من ألوان الفساد والكوارث والخطوب.
وقد نستطيع أن ننظر إلى ثقافتنا العربية بنفس هذه النظرة على ما أصابها من ضعف وأدركها من تفرُّق وانتشار، فسنرى أن العقل العربي يمكن أيضاً أن يُردَّ إلى مثل ما رُدَّ إليه العقل الأوربي من الأصول مع اختلاف قليل، فنحن قد ورثنا عن اليونان ثقافتهم وفلسفتهم وعلمهم وأدبهم وفنهم أيضاً، وفد تأثَّرنا بكل ذلك في حياتنا العقلية وتكوين ما توارثنا من المعرفة، ونحن قد تأثّرنا بالنُّظم التي ورثناها عن الأمم التي سبقتنا إلى الحضارة:
تأثرنا بنظم البيزنطيين أيام بني أمية، ونظم البيزنطيين ترتدُّ في جملتها إلى النظم الرومانية.
وتأثرنا بنظم الفُرس أيام العبّاسيين، ولكن هذه النظم لم تخل قط من تأثر قليل أو كثير بالنظم الرومانية.
ونحن حين أنشأنا فقهنا وألوان التشريع في بلادنا قد تأثّرنا كثيراً بالفقه الروماني في العصور القديمة وبالفقه الأوربي في العصور الحديثة.
وضَعِ الإسلام مكان المسيحية؛ فهو الذي صاغ عقولنا وسيَّرنا على قواعد الأخلاق ومثلها العليا، وهو الذي حبَّب إلينا العدل وكرَّه إلينا الجور، وهو الذي حبَّب إلينا الإحسان وكرَّه إلينا القسوة والاستئثار.
ومهما تبحث عن أسباب الضعف الذي أصاب الأمة العربية وثقافتها في بعض العصور فسترى أنها تنحصر في الانحراف عن أصل من هذه الأصول التي ذكرناها.
وإذن فالطريق أمامنا واضحة وأعلامها بيّنة، يراها المنصفون ولا ينحرفون عنها إلاّ إذا تعمَّدوا هذا الانحراف أو غرَّهم الشيطان عن أنفسهم.
لا بُدَّ من أن نأخذ بأسباب العلم والثقافة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، لا نتردّد ولا نتلكّأ ولا نستكثر في سبيل ذلك تضحية مهما تكن.
ولا بُدَّ من أن نُؤثر النظام ونتجنَّب الفوضى، ومن أن نتلقّن التشريع ونقيمه على الإحسان والبذل.
ولا بُدَّ من أن نتخذ الأخلاق لحياتنا قانوناً، ونجعل المثل العليا أمامنا دائماً في كل ما نأتي وما ندع، إن كنا نريد مخلصين ما نطمح إليه من الرقي ومن تحقيق المساواة بيننا وبين الأمم الأخرى، وتحقيق المساواة الدّاخلية بين أفراد الأمة من حيث هي أمة.
وما أُحب أن أبعد عن الثقافة التي هي موضوع الحديث والتي أبعدني عنها هذا الاستطراد شيئاً؛ فليس يكفي أن نحب الثقافة لنكون مثقفين، وإنما يجب أن نحبها ونبتغي إليها وسائلها، ونسلك إليها سبلها، وننظم التعليم على أنه وسيلة إلى أن يصبح الشاب المتعلم مهيأ ليكون رجلاً مثقفاً بالقدر الذي أشرتُ إليه آنفاً؛ فالظفر بالشهادات والإجازات والدرجات لا يغني عنه شيئاً ولا يجعله رجلاً مثقفاً إذا لم يستطع أن ينفي عن نفسه الشعور بالغربة حين يتصل بالناس مهما تكن أجيالهم وأجناسهم.
ومعنى ذلك أنه يستطيع أن يتحدّث إلى الأوربي، فيفهم عنه ويُفهمه عن نفسه، وأن يكون ذلك شأنه حين يتحدّث إلى الهندي والصيني أو الأمريكي أو الروسي: ومعنى هذا كله أن التعليم يجب أن يُوجَّه إلى تكوين الملكات الإنسانية التي تُتيح للفرد أن يكون مستعدا دائماً لأن يتعلّم وأن يزيد حظه من المعرفة، وأن يشعر شعوراً قويا في كل لحظة من لحظات حياته بأنه في حاجة ملحة إلى ذلك مهما يكن مركزه الاجتماعي، ومهما يكن قد حصّل في نفسه من العلم؛ ففوق كل ذي علم عليم، كما يقول الله عزَّ وجلَّ.
وأخصُّ مزايا العقل الحر هو أنه شاعر بنقصه دائماً، طامح إلى الكمال دائماً، مستيقن بأنه لا يبلغه مهما يبذل من جهد، ومهما يُحصِّل من علم، ومهما يبل من التجارب والخطوب.
فأين نحن الآن من هذا؟ مازال الأمد بيننا وبينه بعيداً أشدَّ البعد، فما أكثر ما يلقى العربي ـ مصريا كان أو غير مصري ـ الأوربي والأمريكي والهندي والصيني، فلا يكاد يفهم عنه ولا يكاد صاحبه يفهم عنه شيئاً، مع هذا الفرق بينه وبين الأوربي والأمريكي، وهو أن الأوربي والأمريكي لا ييأس من فهمه، وإنما يحاول ويلتمس ألوان الحيل ليعرف ماذا يُريد المصري أن يُلقي عليه من حديث! أما المصري فيُسرع اليأس إليه، فلا يُحاول ولا يلتمس حيلة، وربَّما عزَّى نفسه بالسخرية من هذا الأوربي أو الأمريكي الذي لا يسير سيرته، ولا يتكلّم لغته، ولا يحسن الإعراب عمّا يُريد!
ومصدر ذلك أن المصري لا يتعلّم في مدارسه ومعاهده، وإنما يحفظ ليؤدِّي الامتحان، ثم ينسى ما حفظ، وينسى ما امتحن فيه، ويمقت الحفظ والامتحان أشدَّ المقت، ويمضي إلى حياته المادية اليومية يسلك إليها ما يستطيع من السبل لا يطمح إلى شيء، ولا يطمع في شيء، وإنما يكفيه أن يعيش يوماً بيوم، ولا عليه أن يخرج من حياته كما دخل فيها لم يُغن عن نفسه ولا عن الناس شيئاً، كأنه لم ير الدنيا، وكأن الدنيا لم تره في يوم من الأيام.
وهذا النوع من التعليم لا يمكن أن يلائم وطناً طموحاً ولا شعباً عريقاً في المجد خليقاً بأن يكون مستقبله ملائماً لماضيه على رغم ما اختلف على هذا الماضي من المحن والخطوب.
وما أريد بهذا كله أن أزعم أن مصر لم تصنع في سبيل الثقافة شيئاً، وإنما أُريد أن أقول إن ما صنعته مصر في سبيل الثقافة والعلم على كثرته وخطره بالقياس إلى ما كانت عليه أيّام سلطان الترك العثمانيين، بل في أواسط القرن الماضي، ليس إلا شيئاً قليلاً، بل شيئاً أقل من القليل بالقياس إلى آمالها وآمال الإنسانية فيها؛ فليست مصر وطناً كغيرها من الأوطان، وإنما هي وطن في مركز جغرافي بين الشرق والغرب لم تستغن عنه الإنسانية في يوم من الأيام ولن تستغني عنه في يوم من الأيام، بل ستزداد حاجتها إليها ازدياداً مطرداً بمقدار ما يُصيب حياتها من التعقيد، كلما تقدّمت في سبيل الرقي الثقافي والعلمي والسياسي والاقتصادي أيضاً.
وقد زعم شاعرنا القديم أن حاجة من عاش لا تنقضي، وهذا صحيح، ولكنه أقل مما يؤدي الواقع والحق من أمر الإنسانية، لأن حاجتها لا تنقضي، بل تزداد ويشتد ازديادها، وتتعقّد ويعظم تعقيدها.
وكلما ازدادت حاجات الإنسانية وتعقدت ازدادت حاجات الشعوب إلى أن تتضامن وتتعاون، ويشد بعضها أزر بعض، وازداد الاتصال بين الشرق والغرب، وتعقّدت ألوانه وضروبه. وبمقدار هذا كله تزداد حاجة الإنسانية إلى مصر، لأنها طريق الاتصال بين الشرق والغرب، ولأنها المدخل الطبيعي لهذه القارة الإفريقية التي لن تظل كما هي هامدة راكدة، بل ستأخذ في النموّ واليقظة والأخذ بأسباب الحضارة؛ فتشتد حاجتها إلى مصر أولاً، وإلى الشرق والغرب بعد ذلك.
وكل هذا يفرض لمصر حقوقاً على الإنسانية، ويفرض عليها واجبات لهذه الإنسانية. ولست الآن بإزاء الحديث عن حقوق مصر، وإنما أنا بإزاء الحديث عن واجباتها، وقد حرصتُ دائماً وأحببتُ لغيري دائماً أن يحرص على أن يذكر الواجبات، وينهض بها قبل أن يذكر الحقوق ويُطالب بتحصيلها.
ومعنى هذا كله أن الحياة المستقبلة تفرض على مصر أن يزداد حظ أبنائها من العلم والثقافة، لا أقول من يوم إلى يوم، بل أقول من ساعة إلى ساعة. ولا بد من أن يكون التعليم فيها جديراً أن يُهيِّئ أبناءها لتلقِّي هذه الثقافة والتزيُّد منها في كل لحظة من لحظات الحياة.
والتعليم أساس للثقافة، ولكنه ليس كل شيء، بل هناك أشياء كثيرة لا تستقيم الثقافة إلا بها، ولا سبيل إليها إلا إذاهيِّئ الشباب لتحقيقها والانتفاع بها.
وقد قلت إن الرجل المثقف هو الذي لا يشعر بالغربة في أيِّ وطن أو مكان أو بيئة؛ وإذن فليس بُدٌّ للتعليم من أن يهيِّئ الشباب ليكونوا قادرين على أن يعرفوا شؤون الأوطان والأمكنة والهيئات والظروف الإنسانية على اختلافها.
والرجل المثقف لا تستقيم له ثقافة إلا إذا عرف وطنه وأمته والظروف التي تُحيط به؛ فليس بد من أن يهيئه للتعليم لذلك ومن أن يلقنه أوليّات هذه المعرفة بالأمة والبيئة والظروف.
ولا تستقيم الثقافة إلا إذا عرف الأوطان الأجنبية وما يُحيط بها من الظروف الدّاخلية والخارجية، وإذن فيجب أن يهيئه التعليم لهذه المعرفة أيضاً. ولأمر ما حرصت الأمم المتحضرة على أن تُعلِّم أبناءها في المدارس ألواناً من العلم تهيئه لهذا كله: فهي تعلمهم تاريخهم الخاص والتاريخ العام، وهي تعلمهم الجغرافية الخاصة والجغرافية العامة، وهي تُظهرهم في المدرسة الثانوية على أوّليّات الآداب الكبرى: قديمها وحديثها بلغتهم الوطنية، ليستطيعوا بعد ذلك أن يتعمّقوها ويفقهوا دقائقها لمجرّد المعرفة، وحين يشعرون بالحاجة إلى ذلك.
فإذا قلنا إن من أصول الثقافة إحياء التراث القديم للأمة فمعنى ذلك بالقياس إلى المصري أن يكون أمامه تُراث مصر الفرعونية، وتُراث مصر اليونانية الرومانية، وتراث مصر الإسلامية، وأن يكون مهيأ لفهم هذا التراث كلما أراد أن يُلِمَّ به، أو يعود إليه.
وليس ذلك بممكن إلا إذا عرف الأمم التي اتصلت بمصر أو اتصلت بها مصر في ظروف السلم والحرب أثناء هذه العصور، وليس هذا بالشيء القليل؛ فهو سيكفل للمصري أن يكون مهيأ لفهم التاريخ القديم كله، ولفهم تاريخ القرون الوسطى، ولفهم الآداب التي امتازت في هذا التاريخ أو ذاك.
وأمته متصلة بالأمم الحديثة خصاماً ووئاماً وتبادلاً للمنافع، فليس له بُدٌّ من أن يكون مهيأً ليعرف من أمر هذه الأمم أكثر ممّا يمكن أن يعرفه، وسبيل ذلك العلم باللغات الأجنبية وقراءة ما يُكتب فيها، وترجمة ما يحتاج منه إلى الترجمة، ليقرأه الذين لم يتعلّموا لغة أجنبية أصلاً أو تعلّموا لغةً أو لغتين دون أن يتعلّموا كل اللغات الأجنبية، فليس هذا بالشيء الذي يُتاح لكلِّ إنسان، بل قلَّما يتاح لإنسان.
وكل هذا يفرض على القائمين بأمور التعليم الذين يهيئون الشباب للثقاقة والعلم أن يمنحوا تعليم اللغات الأجنبية في المدارس أقصى ما يستطيعون أن يمنحوه من العناية.
والرجل المثقف حقا في هذا العصر لا يستطيع أن يعيش عيشة راضية إذا لم يعرف لغة أجنبية، فإن أراد التخصص في العلم فقلّما تكفيه لغتان أو ثلاث من لغات الأمم الكبرى التي تُعنَى بالأدب وتُنتِج في الأدب والفن والفلسفة.
ومادام الفرد الواحد لا يستطيع أن يتعلم اللغات الكثيرة في المدرسة الثانوية، فلابد من أن تُدرس اللغات الكبرى كلها في المدارس، وأن يُفرض على التلميذ أن يختار منها لغتين على الأقل.
والرجل المثقف حقا لا يستطيع أن يجعل عقله حكراً لثقافة بعينها، وإنما يجب أن تتفتح نفسه للثقافات مهما تكن ومن أين تأتي، وهنا تقوم الترجمة مقام العلم باللغات الكثيرة.
وإذا أُتيح هذا للشباب في أمة من الأمم فمن الخطأ أن نعتقد أن الثقافة الحقة قد أُتيحت لهؤلاء الشباب، ذلك أن الثقافة ليست علماً فحسب، وليست فهماً وحفظاً فحسب، وإنما هي إلى جانب ذلك شعور وذوق وملاءمة بين المعرفة وبين الطبع.
ومن هنا كانت آفة التعليم أنه يتعرّض لأن يكون ملئاً للرؤوس بالمعرفة الكثيرة، دون أن يبلغ القلوب والأذواق ويُؤثر فيها، ويجعلها أهلاً للحرية الصحيحة والشعور الصحيح بأن الإنسان إنسان حيث يكون: إنسان في وطنه يشعر بالتضامن والتعاون بينه وبين الإنسان مهما يكن جنسه، ومهما يكن وطنه، ومهما تكن بيئته وظروفه.
والإنسان المثقف هو الذي يستيقن بقلبه وعقله أن الأرض كلها وطن عام له إلى جانب وطنه الخاص، ويُهيئ نفسه أو تُهيئه الدولة ليحيا هذه الحياة كريماً في وطنه وكريماً خارج وطنه، كريماً على نفسه وعلى الناس أيضاً.
وإذا كان لكل هذا الحديث نتيجة نستطيع أن نستخلصها منه، وغاية نستطيع أن ننتهي بها إليها، فالنتيجة والغاية شيء واحد، وهو أن مصر على كثرة ما بذلت من جهد وما أنفقت من مال وما احتملت من أعباء في سبيل الثقافة لا تزال في أول الطريق، وما زالت الشقة أمامها بعيدة لا حدَّ لبعدها؛ فالثقافة كما قلت لا نهاية لها، والشعب المثقف هو الذي يُحقِّق في نفسه أنه مهما يُحصِّل من المعرفة فسيظل دائماً محتاجاً إلى التزيُّد منها، وسيرى أنّ ما عرفه مهما يكثر أقل مما يجب أن يعرفه.
وإذا فهم القائمون على شؤون العلم والثقافة هذه الحقائق، وفهمها الذين يقودون الرأي ويُدبِّرون أمور الشباب أمكن مصر أن تؤمن عن ثقة ويقين وفي أمل أيّ أمل بأنها سائرة إلى الرقيِّ حقا، وبالغة منه ما تُريد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من كتاب: د. حسين علي محمد (بالاشتراك): فن المقالة: دراسة نظرية ونماذج تطبيقية، سلسلة "أصوات مُعاصرة"، العدد 114، دار هبة النيل العربية، القاهرة، 2003م، ص99 فما بعدها.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مخبر الانترنت-مين هناك | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “مثقف”

  1. مشكووور على الموضوع الحلو بس يا ريت اتلبولي طلبي عن موضوع(دور الثقافة في الحياة المعاصرة)



اكتب تعليــقك

Add to Google Reader or Homepage










 Religion Blogs Blog Flux Directory Find Blogs in the Blog Directory  دليل سلطان للمواقع الإسلامية دوّن - ملتقى المدونين العرب Global Voices Online - The world is talking. Are you listening?


Submit Your Site To The Web's Top 50 Search Engines for Free!


<a href="http://freewebsubmission.com">

<img src="http://freewebsubmission.com/images/fwsbutton7.gif" width="88" height="31" border="0" alt="Submit Your Site To The Web's Top 50 Search Engines for Free!"></a>