امثال -يحى الرخاوى
كتبهاالفيل--النت بتتكلم عربى ، في 1 أغسطس 2007 الساعة: 10:33 ص
مثل ….. وموال
1- فصل فى الحاجة إلى كبير
2- فصل فى احتمال فضل النذالة والخسة
3- فصل فى الأخلاق بما يستأهل
4- فصل فى الجذب والصد فى الصداقة والهجر
5- فصل فى مواجهة الواقع ومعانى الصبر
6- فصل فى لعبة العلاقات البشرية
7- فصل فى الحرمان والشبع والطبقية
8- فصل فى قانون الواقع من الجبر والاختيار إلى الحسابات والتعلم
9- فصل فى الهم والناس (مصريا)
10- فصل فى الفروق الفردية، والتناسب
11- فصل فى التوقى الواعي
12- فصل فى تفسير شعبى للغش الجماعى
1- فصل فى الحاجة إلى كبير
(من الإعتمادية الصحية إلى رحاب الناس)
المثــل: (إللى مالوش كبير… يشتريله كبير)
علاقة الكبير بالصغير (وبالعكس) حكاية قديمة، قدم الوجود البشري، أو قدم وجود الحياة ذاتها، وإلى يومنا هذا ومعالم هذه العلاقة لم تتضح بالدرجة الكافية، ثم جاء ما يسمى بعلم النفس الحديث، فأسهم إسهامات لا بأس بها فى تقنين الصراع بين الأجيال وتوصيفه، كذلك ظهرت إشاعات التربية الحديثة فسمحت بحركة أوسع، وحرية أخدع لمن هو صغير فى مواجهة الكبير، وكعادتنا، وبسبب اضطرار أملته ظروف مرحلة تطورنا (تخلفنا) أخذنا نردد، ونقلد، ثم نتراجع، ثم، يبدو أننا نقف على السلم الآن، نرقص أو نترنح (سواء) ولكننا لا نصعد ولا نهبط ولا يرانا أحد.. ولكن يتربص بنا مصيرنا والتاريخ، المهم، تعالوا نبحث فى أوراقنا القديمة والحديثة ثم ننظر أين نحن ؟ وكيف؟ ثم ماذا؟.
1 - يبدو أننا (1) مازلنا ندرك حاجتنا الشديدة إلى الكبير، بشــكل ما، وأنــنا قبــل وبعــد الإغـارة الغــربية، كنــا أقــرب إلى كونفوشيوس منا إلى لاوتسو (2)، وإلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام منا إلى إبن نوح، وهذا المثل يعلن عدة أساسيات يمكن أن ننظر فيها على الوجه التالى :
أولا : أننا كبشر - صغار مهما كبرنا، وتعبير اللى مالوش لا يقتصر على الصغير، بل يمتد إلى كل من ليس له كبير (كبيرا هو فى ذاته أم صغيرا).
ثانيا : أن حاجتنـــا إلى الـــكبير هى حاجة أصــيلة، لايمكن الاستغناء عنها، أو حتى الاستسلام للعجز عن إشباعها، وهذا وذاك وارد دائمــا، وخاصـــة لو افتقرنا إلى مصـــادر إشباعها.
ثالثا : أن الكبير - إن لم يوجد طبيعيا أو تلقائيا - فإنه يمكن أن يصنع تصنيعا (أو يشترى شراء)، ليسد هذه الحاجة الأساسية.
رابعا: أن ثمة تناقضا بين أن يكون الكبير مشتري، وبين أنه يقوم فى نفس الوقت بدور الكبير القادر على تحمل الاعتماد، وتوجيه المسار (3) .
والمثل بهذا التركيز، وهذه الدقة، يذكرنا بأن معركتنا فى سلسلة التطور ليست فى التخلص من الحلقة السابقة (الوالد)، وإنما فى الاعتماد عليها حتى تجاوزها دون الاستغناء عنها، أى بإعادة تنظيم القــوة بحيث تأخذ مكانها المناسب فى التركيب الجديد، فليس المطلوب هو أن يتحرر الإبن من أبيه، وإنما المطلوب فى النهاية هو أن يصر الإبن - فى الوقت المناسب - أن يكون قائد المسيرة بأبيه - وليس بالرغم منه، ولا تحت أمره، ولا بدونه - مكملا حلقات التطور المتداخلة إلى من يليه.. هكذا.
فإذا رجعنا إلى المثل وجدناه يعلن عن الحاجة إلى الكبير، دون تقديس له أو انسحاق تحته، بل هو يشير إلى تفوق واع، فالمشترى عادة هو تحت أمر وإذن الشارى لغرض ما، إذ لا يعقل - من حيث المبدأ - أن يكون ما أشتريه هو سيدى وقائدى حيث أن فــعل الشراء نفســه يضــعه فى حجمه المتواضــع، ولأن أشترى لى كبيرا أتوكأ عليه، وأستعمله فى حوارى ومساري، لهو أمر يحمل معنى أنى (الشارى) أنا القائد، وفى نفس الوقت أنى أحتاج إلى شراء هذا الكبير وأنا قادر على ذلك، لماذا ؟ لأستمر به إلى ما هو بعدنا : هو وأنا، اللهم إلا إذا اضطرب المسار واهتزت القوانين، وطغى المشترى بعد أن تمكن (وهذا وارد جدا، تاريخا، وفعلا).
ثم يأتى موضوع شراء الكبير فى الصداقة والعلاج النفسى وفى رحاب مشــايخ الطــرق، والشراء فى المثــل (وفى الحيــاة) لا يستلزم بالضرورة مقايضة مادية : مالا محددا، وأبسط وأعظم أنواع المقايضة يجرى بالاعتمادية المتبادلة Interdependency، يكون فى الصداقة، فصديقى هو كبيرى لأنه ناصحى ومســتشارى وملجئى ورفيـق طريقي، وأنا له كذلك، واحـدة بواحـدة، أو ثمة (صديق) ثالث يقوم لأى منا بدور الكبير وهكذا، أى أن عقد شراء صداقة قد لا يكون بين اثنين فحسب، بل بين مجمــوعة من الناس تتبادل الشراء دون علم أفرادها بطبيعة الصفقة وحسابات المكسب والخسارة، وشراء الصداقة يشمل شراء الكبير.
ثم تغير الحال، وشك كل طرف فى شركة الصداقة أنه الخاسر، وادعى المثاليون أن الصداقة تضحية بلا ثمن، وأحبط آخرون حين وجدوا أن الكبير المعين هو أحوج إلى أن يعان.
جبتك يا عبد المعين تعيني
أتاريك يا عبد المعين تتعان
ويتفاقم الموقف حين تتصادم احتياجات "الأخذ" و "الاعتمادية" بعضها ببعض.
وفى الصداقة ليس ثمة كبير أو صغير إلا بتبادل الأدوار، فمن هو كبير اليوم هو صغير - لصديقه غدا، وحتى الاعتمادية الخفية أو المعلنة، تضع فى عمق العلاقة - هذا المعنى الكريم الذى نحاول الآن أن نقدمه، لنتجاوز من خلاله المعارك الوهمية التى فرضت علينا وأعاقت نمونا نريد أن نجعل لفظ الكبير لفظا لا يعنى إلا الموقف المحدد بالمقدرة على الدعم (ولو المؤقت) وصدق النصح وبذل الخبرة، وحين ندخل إلى باب الصداقة من هذا المدخل نتصور أننا نتخطى أوهام صراعات الأجيال إذا ما استعملنا لفظ كبير لصياغة : تبادل الاعتماد، وبالتالى تبادل أدوار من هو كبير حسب الأحوج والأقدر.
المــــوال:
فرض هذا الموال نفسه من خلال التداعى المناسب، وهو أرق، وأدق فى إعلان طبيعة الاحتياج، وصعوبة التعري، وهو يصور ما وراء الصداقة، ويعرى احتياج البشر لبعضهم، وعجزهم - بصدق - عن ادعاء التضحية قصيرة العمر، خفية الشروط :
يقول الموال :
صاحبت صـاحب وقلت ف يوم يشيل حملي
جــاب حملـــه التقيـــل وحطـــه على حمـــلي
لفيت جميع البلاد على صاحب يشيل حملي
وتعبــت وشـــــــقيت، لــكن بـــدون فـــــايدة
واللى اشتكيله يقولى : وانا مين يشيل حملي
ولأول وهلة يبدو لنا هذا الموال وكأنه يعرى حياتنا هنا والآن، ولكن إذا نظرنا إليه من بعد أعمق وأكثر واقعية فربما يبدو لنا أكثر وصفا للموقف الانفرادى (الشيزيدى (Schizoid فى عالم الغرب (مثلا) حيث استغنى الناس عن الصداقة، لأنهم رفضوا فروسية مشبوهة، وشكوا فى تضحية مشروطة، وتبينوا هموما ذاتية تكفيهم عن ادعاء معونة الغير وهم أحوج ما يكون إلى من يعينهم.
نعم : نحن نشيع ذلك عن الغرب، ولكن هذا الموال (وغيره) يشير إلى أن الأصدق منا، قد يكتشف أننا كذلك، أو ربما دون ذلك، وأن المطلوب ليس هو أن ندمغ الغرب بافتقاره إلى هذا النوع من التعاون الصداقاتي، ونفخر نحن بتصور التضحية وبتوهم الفداء، لأن المطلوب : لنا ولهم، أن نتجاوز يأسنا من الصداقة، بأن نعلن طبيعة الصفقة التى تسمح لنا بأن نشيل أحمال بعضنا البعض بعض الوقت، ذلك أنه بالرغم من أن كلا منا إللى فيه مكفيه وأن كلا من هوّ ملهى على حاله .
إلا أنه لابد من أمل فى حسن توقيت تبـادل الاعتمــاد بالتناوب، فهذه الأحمال التى هى أمانة الحياة، والتى تبدو عند التركيز أنها قاصمة الظهر أو على الأقل مغلقة التواصل، هذه الأحمال والهموم تختلف شدتها من وقت إلى آخر، ويستحيل أن نتصور أنها ستلحق بنا جميعــا فى نفس الوقت، وبالتالى فثمة فرصة للخروج من هذا المأزق بما يمكن أن نسميه : التعاون بالتناوب
ولذلك فالموال يحتاج إلى أكثر من قراءة :
فهو لم يقرر ابتداء أن الصداقة منذ البداية ترمى إلى أن يحمل الصديق عنى ما أنوء به، ولكن الصداقة تنشأ ومعها هذا الاحتمال الكريم منذ البداية، فالشطر الأول لم يقل : صاحبت صاحب - يا ناس (4) علشان يشيل حملى وانما وضع صيغة الاحتمال والتوقع قائلا.. .. وقلت ف يوم يشيل حملى - وهنا يصبح فعل الصداقة نقيا فى ذاته، ولكنه قابل لمزيد من الثراء بما يحمل من احتمالات الأخذ والعطاء حسب وقت وطرف الاحتياج، لكن الطرف الآخر سارع بإلقاء حمله على الطرف الأول - فورا - فناء ظهره بحمليهما معا، فما كان من الصاحب الأول الطيب المتألم إلى أن كشف عن حاجته هو الآخر ودار بها على جميع البلاد مطالبا بحقه المباشر فى الاعتماد الفورى من خلال الصداقة، ولكن المفاجأة كانت صريحة وبسيطة، وهى مواجهة اليأس من الصداقة لو انقلبت إلى مجرد احتياج للاعتماد دون وعى بصفقة الأخذ والعطاء و التساند الدورى إن صح التعبير، وبألفاظ أخرى : إن التساند الدورى يعنى أن أحمل حمل صديقى حين يكون حملى الشخصى أخف، وأن يحمل عنى حملينا بدوره حين تشتد حاجتى ويكون قد أفاق - ولو قليــلا - بمــا ســبق أن حمــلت عنــه "بعض الوقت".
أما أن تصبح المسألة شكوى واحتياج ملح متواصل، ثم ننعى الحظ ونندب الأيام، فلابد أن يتحوصل كل منا على ذاته، وكل يبادر بالتخلى ، وهات يا جري.
3 - وعلى كل حال، فإنه لما صار الحال إلى هذه الحال نشأت تجارة الصداقة فيما يسمي، العلاج النفسى بصورته المعاصرة، وهى خطوة شجاعة رغم بشاعتها، أن نسمى الأشياء بأسمائها، نقرأ كتابا يقدم هذا النوع من العلاج بعنوان صداقة للبيع . فأنت تذهب للطبيب النفسى (أو المعالج النفسى) تشترى وقته وعواطفه واهتمامه ورأيه، تدفع له فى مقابل أن يشيل حملك، وهو يفعــل بتفســيرات تحليلية أو تأويلات تركيبية تطورية، فالأهم - كما دلت أغلب الأبحاث الحديثة والأمينة - هو حضوره وإخلاصه، وحمله (ولو بعض الوقت) هموم الناس اللاجئين إلى رحابه، ورغم بشاعة تعرية هذه المهنة الكريمة باعتبارها صداقة للبيع، فإنها تبدو حلا مناسبا - للأسف - ولو لمرحلة صعبة من التحوصل على الذات ما دام الكل قد اتخــذ موقف وانا مين يشيل حملى على أن هذا ليس هو دور كل طبيب وخاصة طبيب العائلة (تلك الوظيفة التى يقوم بها حاليا طبيب الأطفال أو الممارس العام بوجه خاص) والموال المعاصر ينبه إلى هذه الحقيقة حين يقول :
يا مين يجيب لى طبيب، يحـــل لى إشـــكال
مش بس يــــكتب دوا، ويقـــولهم إيش كـال (5)
يا ما قلبى شايل ومش قادر أقول إيش كان
وهنا تتجسد وظيفة الطبيب كـ حلال المشاكل أيضا وليس كاتب روشتة فقط وقديما قالت الأرجوزة واحد اثنين سرجى مرجي، إنت حكيم ولا تمرجى ؟ وقد ميزت بين الحكيم والتومرجى بأن الحكيم (وليس الطبيب أو الدكتور) (6) هو راعى الصـحة بكل أبعـادها، الصـحة الجسـمية.. والصـحة الاقتصـادية (مارا بالصحة النفسية والصحة الاجتماعية): إذ يأتى الرد:
أنا حكيم بتاع الصحة
العيـــــان أديلــه حقنــــة
والمســـكين أديلـه لقمــة
وهنا يشار أيضا مرة ثانية إلى فرط الاعتمادية على الطبيب، اعتمادية تذكرنا باحتياجنا المفرط إلى الكبير لدرجة أننا ننتظر أن يكون له دور حتى فى علاج الفقر و الجوع بالمعنى المادى المباشر، ولا نستطيع أن نرفض أمل شعب يعانى كل هذه المعاناة ولا يثق فيه أحد ممن هم فوق، أن نرفض أمله الملح فى أن يأتى الحل دائما من فوق، بل إنه يتمادى فى تلك الاعتمادية حتى يصبح الكبير طبيبا كان أم حاكما هو مصدر كل شئ، وعليه أن يقوم بكل العمل.
وتؤكد هذه الأرجوزة الأخيرة على مفهوم آخر للطبيب غير حل المشاكل، وهو مفهوم الاستماع لما يحمل القلب من هموم لا يجد لها متنفثا ومستمعا متعاطفا، حتى ولو لم يحل - فعلا - شيئا، هذا المفهوم الذى شاع حول الطب النفسى خاصة حتى أصبح معنى العلاج النفسى عند أغلب الناس هو الفضفضة و الحكي، وتمادى قصر دور الطب النفسى على هذا المستوى دون غيره يعتبر خطأ شديدا، ذلك لأن الحكى والشكوى والتداعى ليست هى الحل الأوحد أو الأول، وإنما هى بداية لها ما بعدها، والتوقف عند البدايات - كما يحدث عادة، وكما يصر كثير من الأهل والمرضى - لا يحل شيئا، ولا يفيد شيئا، بل لعل التمادى فى البحث عن السبب، مع تزايد الاعتماد على حلال العقد يأتى بعكس النتيجة إذ يثبت الضعف وقد يبرر المرض، وحذق الطبيب النفسى يأتى من مهارته فى ضبط الجرعة بين الشكوى والفضفضة وبين البناء والاستقلال باستمرار.
ولو قبل الطبيب أو غيره أن يقوم بهذا الدور شبه الإلهى القادر على كل شئ، فقد دخلنا فى مرحلة مخاطر الانحراف لدرجة السيطرة المطلقة أو الفرعنة.
والوقاية تستلزم أن يتذكر أى كبير أنه يحتاج بدوره إلى كبير، وكبير الكبير إلى من هو أكبر، و قد يكون ذلك فى اتفاق معلن أو خفى يسمح بأن يأتيه الدعم المناسب من مجموع المعتمدين عليه، وبغير هذا الحوار بين القائد والجموع، لا مفر من الإنحراف إن آجلا أو عاجلا، والحوار الصحى هو الذى يرد الكبير عن انحرافه واغترابه وغروره فى الوقت المناسب، وقد ورد هذا التحذير من التمادى فى الاعتماد وتميز المشروط على الكبير فى المثل القائل:
قالوا لفرعون إيش فرعنك
قال مالقيتش حد يردنى
ولا أظن أن الرد هنا رد بمعنى رد القاضى ورفضه، وإنما أظن أنه يعنى : يمنعنى من التمادى والتبادل فى الرعاية بين الكبير الطبيب، أو الكبير الحاكم وبين مرضى الأول ورعية الثاني، هو تبادل قائم حتما حتى لو أنكره كل من الطبيب والحاكم، وفى الطب النفسى خاصة، حين تتعمق الممارسة بدرجة إيجابية، لابد أن يكتشف الطبيب اعتماده على مرضاه كمصدر لثروة معرفته وإثبات ذاته وتأكيد وجوده، (ولكن ليس كمصدر أساسى لاحتياجه العاطفى). كما أن الحاكم فى المجتمع الديمقراطى الحقيقي، لابد أن يستشعر أن رعيته المعتمدة عليه هى هى الكبير الذى يرده إذا مال أو نسى أو تمادى أو ظلم (فى صورة الصحف الحقيقية أو الهيئة التشريعية المحاسبة أو القضاء.. إلخ).
وهكذا يمتد معنى المثل الأصلى الذى بدأنا به إلى أنه حتى الكبير (الحاكم) إنما يعين له (ويشترى له) كبيرا (مجموعة المحكومين أو من يمثلهم نيابيا أو غيره) حتى يرحموه من تماديه فيما لا يدرى من انحرفات محتملة.
لكن ثمة اعتمادية أخرى فى مجتمعنا لها دلالتها الخاصة، وأنت تكتشفها ويمكن أن ترصدها أيضا فى كثير من حكمتنا السائرة، وهى الاعتمــادية على شيخ هو سيدنا بالضرورة، سواء كان هذا الشيخ جثمان فى ضريح، أو هو شيخ طريقة يمشى على الأرض ويقوم بدور الموصل الجيــد إلى شــيخ الضريح، الذى هو بدوره خطوة نحو الاعتمادية على المطلق الكونى اللامتناهي، ونحن نقصــر حديثنا هنا على حــاجة البشر الأحيــاء إلى البشر الأحياء الأكبر، وشيخ الطريقة والدرويش هما صورتان لهذا الكبير الذى قد يوصى المثل بشرائهما، لكن الشراء هذه المرة يتم دون فيزيتة ولكن مقابل عهد والتزام، ويقـدم لنا هذا الموال، الطويل نسبيا، بعض ملامح هذا الكبير المتميز، ولكن لنبدأ خطوة خطوة، يبدأ الموال:
ياعينى إبكى وهاتى اللى عندك ولا تخبيش
دمعــك صــحيح غــالى (7)…. ولا بيجيش
والدنيــا هى كــده… الحلو (8) ما بتــديش
وإلى هنا والموال يؤكد على حاجة الإنسان دائما أبدا إلى التنفيث، والبكاء، وارتفاع ثمن دمع العين، وصعوبة إدراره، هما أصدق فى الحزن، وأكثر احتواء للألم، وهذا أيضا عكس الشائع فى العلاج النفسى وعند العامة: من البكاء قد يكون مفيدا دائما أبدا فى التفريج والترويح، ذلك أن البكاء إذا تكرر وتمادى أصبح مجهضا لألم أعمق قد يكون صاحبه أحوج ما يكون إلى معايشته.
ثم يؤكد الموال - بعد عتابه على الدنيا - أن طبيب القلوب لم ينفع، وهذا حكم جيد من العامة، يقلل كثيرا من تأليه دور الطبيب النفسي، على أن فشل الطبيب كثيرا ما يكون لصالح صاحب الحاجة فى أن يرتد إلى الاعتماد على نفسه، أو أن يلجأ إلى طريق أكثر صحة وصدقا.
أنا رحت لطبيب القلوب ، لا رقت، ولا فادنيش
ثم يكمل الموال :
قالولى أهل الغرام بالوعد إرضى و عيش
وقبل أن يذكر لنا الموال شــيئا عن البــديل الآخر الذى طرق بابه، يعلن حقيقة بسيطة مطروحة دائما وهى ضرورة الرضا وتأكد هذه الضرورة إذا كان الحاكم المنفذ هو القدر ذاته، والوعد هنا هو ما يعنيه الوعد المكتوب، ومع أن الايحاء قد يذهب بالمتعجل إلى تصور الرضا دائما أبدا على أنه تسليم، إلا أن الرضا قد يكون أول خطوات تجاوز الواقع، لأن الوعد الذى تحقق لابد أن تغييره يتعلق بالخطوة التالية، لا بمحاربة ما تم، فهو"مكتوب" كشف عن وجهه، فالرضا هنا ليس تخديرا بقدر ما هو بداية مما هو الآن ثم يستطرد الموال :
نزلت ســاحة الرضا وقابلت فيهـا درويش
حاز الأدب وماشى لابس ثيــاب مع خيش
نظر لى بعين الرضا ساعتها ولا سابنيش
ويلاحظ هنا ان تعبير ساحة الرضا يحمل أنه المكان الفسيح الذى تدور فيه الحركة، وليس السجن الذى يفرض السكون بالتسليم العاجز.
وتطل علينا أيضا عين الرضا لتدل مرة أخرى على أنه القبول والفهم بما يشمل المعية، الأمر الذى يؤكده تعبير ولا سابنيش، هى نظرة نعم.. أنا معك، ويجدر بنا أن نتذكر خطأ آخرا كان قد وقع فيه العلاج النفسى (والتحليل النفسى خاصة) حين ألغى فعل النظر فى تأكيد التفاهم والمعية، وجعل الطبيب يتجنب عمدا النظر فى عين مريضه، حتى قال بيرلز"(9) عن فرويد أنه كان مصـابا بمرض تجنب النظرات Gaze avoidance، مما جعل هذا النـــوع من التحليل يسمى أحيانا : العــــلاج بالكلام حي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مواضيع عامة, أخبار, كاريكاتير, منوعات, مقالات, سياسية, سياسة, اخبار, صور, شعر, عام, قصة, قصائد, قصص, | السمات:مواضيع عامة, أخبار, كاريكاتير, منوعات, مقالات, سياسية, سياسة, اخبار, صور, شعر, عام, قصة, قصائد, قصص,
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






























