محاسبة
كتبهاالفيل--النت بتتكلم عربى ، في 5 ديسمبر 2008 الساعة: 21:38 م
في تحليل السياسة العربية - محاسبة الذات الباحثة
http://www.daralhayat.com/opinion/09-2008/Item-20080917-71685fb6-c0a8-10ed-01ec-
عمرو حمزاوي الحياة - 18/09/08//
من بين ما دفعتني إليه أزمة شخصية عصفت بكياني خلال الأسابيع الماضية كان الشروع في محاسبة الذات مهنياً بإعادة النظر في القناعات الرئيسية الحاكمة لفهمي للمجتمعات العربية وقضاياها الكبرى وتقييم أدائي الأكاديمي والإعلامي بحثاً عن مدى تطابقه مع قناعاتي هذه وقدرته على توصيل مفرداتها للجمهور المخاطب. وقد أفضت بي محاسبة الذات إلى ما يشبه كشف حساب أولي لمساحات الالتباس في التحليل ومناط الإخفاق في العرض أود بهذا المقال عرضه على قراء الحياة لكونهم قرائي الرئيسيين في الصحافة العربية ولاعتقادي أنني بالتباسي وإخفاقاتي، أو في جزء منها على أقل تقدير، إنما أعبر عن قطاع من الباحثين والمهتمين العرب لم يقو تماماً بعد على جراءة الطرح وعلى السباحة ضد التيار.
فمن جهة أولى، ومع أن قضايا الديموقراطية والتعددية والحريات السياسية وحقوق الإنسان في المجتمعات العربية استحوذت على جل جهدي الفكري والأكاديمي، إلا أن تناولي لها شابه التركيز المخل على تساؤل وحيد هو كيف يمكن لحركات المعارضة غير العنفية توليد ضغوط كافية على النخب السلطوية الحاكمة لإنجاز تحول ديموقراطي حقيقي مفرداته تداول السلطة والمنافسة والانتخابات الدورية ومشاركة المواطنين. لم التفت طويلاً لطبيعة المعارضات، إسلامية كانت أو ليبرالية ويسارية، ولبناها التنظيمية وممارساتها على أرض الواقع ومدى قربها أو بعدها عن الجوهر الديموقراطي وتداعيات كل ذلك المباشرة على أدوارها السياسية. رتب الافتراض الاختزالي أن مجرد تواجد حركات معارضة غير عنفية إنما هو خير في حد ذاته ورافعة لفرص التحول الديموقراطي التباساً بيناً في العديد من كتاباتي التي عجزت عن الإشارة إلى التحديات المرتبطة بمعارضات تغيب عنها الديموقراطية الداخلية وتعجز عن ممارستها علنياً ولا تتورع عن أن تساوم على قيم التعددية ومدنية الحياة السياسية واحترام حق الآخر في الوجود كلما اقتضت ذلك الحاجة لتحريك قطاعات شعبية ما لبث مزاجها العام إقصائي النزعة. بل الأخطر من ذلك هو حقيقة أن التركيز على حركات المعارضة وأدوارها قد دفعني إلى تجاهل البحث المنظم في العديد من القضايا المجتمعية والمؤسسية المعوقة للتحول الديموقراطي في عالمنا العربي، وأهمها بلا ريب سطوة التراكيب القبلية والعشائرية في بعض المجتمعات وانفراط عقد الهوية الوطنية وتفسخها إلى مجموعة متناقضة من الهويات والولاءات الأولية العرقية والدينية في البعض الآخر والضعف الشديد للمؤسسات التشريعية والقضائية ولآليات مشاركة المواطنين المنوط بها صناعة ثقافة التعددية والمسؤولية والاهتمام بالعمل العام. هنا ليس بكاف مجرد التعويل على دينامية الحياة السياسية حين انفتاحها للتعامل الإيجابي مع معضلات المجتمع وأوجه القصور المؤسسي، بل هو تعبير عن مقاربة استخفافية اتسمت بها بعض كتاباتي المغرقة في تفاؤلها حول فرص الديموقراطية.
من جهة ثانية، كثيراً ما خشيت التطرق في كتاباتي الصحافية ومداخلاتي عبر الفضائيات العربية إلى أمور رأيتها دوماً في موضع القلب من معضلات مجتمعاتنا وتطور لي منها خلال الأعوام الماضية مواقف واضحة تتسق مع إيماني بالقيم الليبرالية. لم أقدر على تناول مسألة العلمانية وحتميتها كسياق أوحد لممارسة الديموقراطية والتعددية وضمان المساواة بين المواطنين مختلفي الديانات والأعراق في الحقوق والحريات المدنية والسياسية وعمدت مراراً حين الكتابة إلى إحلال مفردات لغوية كالمدنية أو تراكيب مفاهيمية من شاكلة الفصل الوظيفي بين الدين والدولة محل العلمانية على نحو تحايلي منقوص المعنى والمضمون. لم أقوَ كذلك على توظيف المساحة الإعلامية المتاحة لي إن للدفاع عن معتقلي الرأي والضمير، وبهم يمتلئ العديد من السجون العربية، أو لتبني قضايا وحقوق المجموعات المضطهدة بين ظهرانينا ابتداء بالنساء مروراً بالأقليات الدينية والعرقية وانتهاءاً بضعفاء المواطنين من الفقراء وأولئك الخارجين في فعلهم الخاص عن حدود المقبول مجتمعياً. يؤلمني صمتي عن الدفاع عن المثقفين والنشطاء السوريين القابعين وراء أسوار معتقلات النظام البعثي أو عن الصديق سعد الدين إبراهيم الذي عطبت سنوات السجن وتعقب النظام المصري له صحته الجسمانية وإن لم توهن من عزيمته. أردت أن أبدو أمام القراء والمشاهدين العرب بصورة الباحث الملتزم بقيم الديموقراطية ومضامينها دون المخاطرة بإغضابهم بطرح قضايا أؤمن بها كالعلمانية أضحت للعديد من الأسباب سيئة السمعة بينهم ومع مراعاة الخطوط الحمراء للنظم العربية خوفاً على نفسي وحريتي. والمحصلة هي مستوى إضافي من الاستخفاف في التحليل والوقوع في براثن مأزق التزام حدود المقبول والمسموح الخانق للإبداع.
أخيراً، وبصراحة شديدة، تورطت تلفزيونياً في بعض الأحيان في مسايرة ديماجوجية للاتجاهات الغالبة في الرأي العام العربي بالرغم من تحفظاتي عليها وحقيقة اضطراب أفكاري حولها. فقسوت على الغرب ولعنت مطامع الأميركيين والأوروبيين في عالمنا واختزلت سياستهم في ركض مستمر وراء المطامع هذه، ولم تشفع لا الحوارات مع بعض صناع القرار في العواصم الغربية ولا الأجواء المتوازنة هناك للنقاش السياسي والعام حول شؤون العرب وقضية الديموقراطية لأخذ الحذر والاحتياط قبل التعميم. استبعدت كذلك صدق توجه بعض النخب العربية الحاكمة نحو إحداث نقلات نوعية هامة في البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لمجتمعاتهم والتحديث التدرجي لمؤسساتها بصورة قد تدفع في المستقبل القريب إلى تحولات ديموقراطية حقيقية. نعم كان وما زال لدي من الشواهد ما يكفي لاستبعاد صدق النوايا والتوجه في بعض الحالات كتونس ومصر والأردن واليمن، إلا أن قرائني ودلائلي شحيحة للغاية حين النظر إلى المغرب والعراق والكويت على اختلافها. هنا أيضاً أنتج التعميم طابعا تلفيقيا اعترى التحليل وسلسلة من الالتباسات الإضافية ربما خدعت المشاهد لتوافقها مع قناعاته الغالبة.
ليست الأفكار السابقة محاولة لجلد الذات في لحظة أزمة شخصية ولا هي مقدمة لطلب صك غفران من القراء والمشاهدين العرب، بل بحث أردته صريحاً ومباشراً لمواطن الخلل في التحليل تقتضيه أمانة التواجد في ساحات النقاش العام ومن قبلها مسؤولية الكلمة.
* أكاديمي مصري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تحرير... العتبة---د ين-مراجعات فى تفكيرنا الاسلامى | السمات:تحرير... العتبة---د ين-مراجعات فى تفكيرنا الاسلامى
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






























